الْتِقَاطُهُ إذَا أَخَذَهُ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ رَدَّهُ إلَى مَكَانِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِهَذِهِ الْآثَارِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ تَرْكُهُ فِي مَكَانِهِ ابْتِدَاءٍ، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَخْذِهِ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْرَأَ مِنْ ضَمَانِهِ بِرَدِّهِ، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ، فَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ ضَمَانِهِ بِرَدِّهِ إلَى مَكَانِهِ، كَالْمَسْرُوقِ وَمَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَبْرَأُ إلَّا بِرَدِّهِ إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ. وَأَمَّا عُمَرُ فَهُوَ كَانَ الْإِمَامَ، فَإِذَا أَمَرَ بِرَدِّهِ كَانَ كَأَخْذِهِ مِنْهُ. وَحَدِيثُ جَرِيرٍ لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ الْبَقَرَةَ، وَلَا أَخَذَهَا غُلَامُهُ، إنَّمَا لَحِقَتْ بِالْبَقَرِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ وَلَا اخْتِيَارِهِ.
(4518) فَصْلٌ: وَإِنْ ضَاعَتْ اللُّقَطَةُ مِنْ مُلْتَقِطِهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَأَشْبَهَتْ الْوَدِيعَةَ. فَإِنْ الْتَقَطَهَا آخَرُ، فَعَرَفَ أَنَّهَا ضَاعَتْ مِنْ الْأَوَّلِ، فَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ التَّمَوُّلِ وَوِلَايَةُ التَّعْرِيفِ وَالْحِفْظِ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِالضَّيَاعِ. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي بِالْحَالِ حَتَّى عَرَّفَهَا حَوْلًا، مَلَكَهَا ; لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ كَالْأَوَّلِ، وَلَا يَمْلِكُ الْأَوَّلُ انْتِزَاعَهَا ; لِأَنَّ الْمِلْكَ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ التَّمَلُّكِ، وَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَهُ أَخْذُهَا مِنْ الثَّانِي، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ، وَإِنْ عَلِمَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ، فَرَدَّهَا إلَيْهِ، فَأَبَى أَخْذَهَا، وَقَالَ: عَرِّفْهَا أَنْتَ
فَعَرَّفَهَا، مَلَكَهَا أَيْضًا ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَرَكَ حَقَّهُ فَسَقَطَ. وَإِنْ قَالَ: عَرِّفْهَا، وَيَكُونُ مِلْكُهَا لِي. فَفَعَلَ، فَهُوَ مُسْتَنِيبٌ لَهُ فِي التَّعْرِيفِ، وَيَمْلِكُهَا الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي التَّعْرِيفِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِ الْأَوَّلِ. وَإِنْ قَالَ: عَرِّفْهَا، وَتَكُونُ بَيْنَنَا. فَفَعَلَ، صَحَّ أَيْضًا، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ نِصْفِهَا، وَوَكَّلَهُ فِي الْبَاقِي. وَإِنْ قَصَدَ الثَّانِي بِالتَّعْرِيفِ تَمَلُّكَهَا لِنَفْسِهِ دُونِ الْأَوَّلِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، يَمْلِكُهَا ; لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ، فَمَلَكَهَا، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِهَا لِنَفْسِهِ
وَالثَّانِي لَا يَمْلِكُهَا ; لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّعْرِيفِ لِلْأَوَّلِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ غَاصِبٌ فَعَرَّفَهَا. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا عَلِمَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ فَعَرَّفَهَا، وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِهَا. وَيُشْبِهُ هَذَا الْمُتَحَجِّرَ فِي الْمَوَاتِ إذَا سَبَقَهُ غَيْرُهُ إلَى مَا حَجَرَهُ، فَأَحْيَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ. فَأَمَّا إنْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ الْمُلْتَقِطِ، فَعَرَّفَهَا، لَمْ يَمْلِكْهَا، وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ مُعْتَدٍ بِأَخْذِهَا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبُ تَمَلُّكِهَا، فَإِنَّ الِالْتِقَاطَ مِنْ جُمْلَةِ السَّبَبِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ. وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا الْتَقَطَهَا ثَانٍ، فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ الِالْتِقَاطُ وَالتَّعْرِيفُ.
(4519) فَصْلٌ: وَمَنْ اصْطَادَ سَمَكَةً، فَوَجَدَ فِيهَا دُرَّةً، فَهِيَ لِلصَّيَّادِ ; لِأَنَّ الدُّرَّ يَكُونُ فِي الْبَحْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتَسْتَخْرِجُونَ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} . فَتَكُونُ لِآخِذِهَا، فَإِنْ بَاعَهَا الصَّيَّادُ وَلَمْ يَعْلَمْ، فَوَجَدَهَا الْمُشْتَرِي فِي بَطْنِهَا، فَهِيَ لِلصَّيَّادِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا فِي بَطْنِهَا فَلَمْ يَبِعْهُ، وَلَمْ يَرْضَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ، كَمَنْ بَاعَ دَارًا لَهُ مَالٌ مَدْفُونٌ فِيهَا. وَإِنْ وَجَدَ فِي بَطْنِهَا عَنْبَرَةً أَوْ شَيْئًا مِمَّا يَكُونُ فِي الْبَحْرِ، فَهُوَ لِلصَّيَّادِ ; لِمَا ذَكَرْنَا. وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجَوْهَرَةِ
وَإِنْ وَجَدَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، فَهِيَ لُقَطَةٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخْلَقُ فِي الْبَحْرِ، وَلَا يَكُونُ إلَّا لِآدَمِيٍّ، فَيَكُونُ لُقَطَةً، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ فِي الْبَحْرِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الدُّرَّةِ إذَا كَانَ فِيهَا أَثَرٌ لِآدَمِيٍّ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ مَثْقُوبَةً أَوْ مُتَّصِلَةً بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّهَا تَكُونُ لُقَطَةً لَا يَمْلِكُهَا الصَّيَّادُ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي الْبَحْرِ