فهرس الكتاب

الصفحة 1710 من 3896

أَخْبَارُ رَافِعٍ هَكَذَا، وَجَبَ إخْرَاجُهَا وَاسْتِعْمَالُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي شَأْنِ خَيْبَرَ، الْجَارِيَةِ مَجْرَى التَّوَاتُرِ، الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا، وَبِهَا عَمِلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ، فَلَا مَعْنَى لِتَرْكِهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ.

الْجَوَابُ الرَّابِعُ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ صِحَّةُ خَبَرِ رَافِعٍ، وَامْتَنَعَ تَأْوِيلُهُ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ، لَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَسْخِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ، وَيَسْتَحِيلُ الْقَوْلُ بِنَسْخِ حَدِيثِ خَيْبَرَ ; لِكَوْنِهِ مَعْمُولًا بِهِ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى حِينِ مَوْتِهِ، ثُمَّ مِنْ بَعِدَهُ إلَى عَصْرِ التَّابِعِينَ، فَمَتَى كَانَ نَسْخُهُ ؟ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُخَابَرَة، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الَّتِي حُمِلَ عَلَيْهَا خَبَرُ رَافِعٍ ; فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى حَدِيثَ خَيْبَرَ أَيْضًا، فَيَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيْهِ، مَهْمَا أَمْكَنَ، ثُمَّ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْمُزَارَعَةِ، لَكَانَ مَنْسُوخًا بِقِصَّةِ خَيْبَرَ ; لِاسْتِحَالَةِ نَسْخِهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ

فَإِنْ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تُحْمَلُ أَحَادِيثُكُمْ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَيْنَ النَّخِيلِ، وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنْ الْأَرْضِ الْبَيْضَاء جَمْعًا بَيْنَهُمَا. قُلْنَا: هَذَا بَعِيدٌ لِوُجُوهٍ خَمْسَةٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ بَلْدَةٌ كَبِيرَةٌ يَأْتِي مِنْهَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ وَسْقٍ، لَيْسَ فِيهَا أَرْضٌ بَيْضَاءُ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَامَلَهُمْ عَلَى بَعْضِ الْأَرْضِ دُونَ بَعْضٍ، فَيَنْقُلُ الرُّوَاةُ كُلُّهُمْ الْقِصَّةَ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.

الثَّانِي أَنَّ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ التَّأْوِيلِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ دَلَّتْ عَلَيْهِ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ، وَفَسَّرَهُ الرَّاوِي لَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ سِوَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ بَعْضِهَا عَلَى مَا فَسَّرَهُ رِوَايَةً بِهِ أَوْلَى مِنْ التَّحَكُّمِ بِمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُمْ يُفْضِي إلَى تَقْيِيدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ حَمْلٌ لِأَحَدِهِمَا وَحْدَهُ.

الرَّابِعُ أَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مُوَافَقَةَ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَأَهْلَيْهِمْ، وَفُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّتِهِ وَمَعَانِيهَا، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ. الْخَامِسُ، أَنَّ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ رَوَى ذَلِكَ عَنْ كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ، وَعَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَأَهْلَيْهِمْ، وَفُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَاسْتِمْرَارُ ذَلِكَ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ خَفَاؤُهُ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُنْكِرٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا

وَمَا رُوِيَ فِي مُخَالَفَتِهِ، فَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ، فَيَكُونُ هَذَا إجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، لَا يُسَوَّغُ لَأَحَدٍ خِلَافُهُ. وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيه، فَإِنَّ الْأَرْضَ عَيْنٌ تُنَمَّى بِالْعَمَلِ فِيهَا، فَجَازَتْ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ نَمَائِهَا، كَالْأَثْمَانِ فِي الْمُضَارَبَةِ، وَالنَّخْلِ فِي الْمُسَاقَاةِ، أَوْ نَقُولُ: أَرْضٌ، فَجَازَتْ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهَا، كَالْأَرْضِ بَيْنَ النَّخِيلِ. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الْمُزَارَعَةِ ; لِأَنَّ أَصْحَابَ الْأَرْضِ قَدْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى زَرْعِهَا، وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا، وَالْأَكَرَةُ يَحْتَاجُونَ إلَى الزَّرْعِ. وَلَا أَرْضَ لَهُمْ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ، كَمَا قُلْنَا فِي الْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ

بَلْ الْحَاجَةُ هَا هُنَا آكَدُ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الزَّرْعِ آكَدُ مِنْهَا إلَى غَيْرِهِ، لِكَوْنِهِ مُقْتَاتًا، وَلِكَوْنِ الْأَرْضِ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الْمَالِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ رَاوِي حَدِيثِهِمْ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا. وَالشَّارِعُ لَا يَنْهَى عَنْ الْمَنَافِعِ، وَإِنَّمَا يَنْهَى عَنْ الْمَضَارِّ وَالْمَفَاسِدِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى غَلَطِ الرَّاوِي فِي النَّهْيِ عَنْهُ، وَحُصُولِ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا ظَنَّهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ حُكْمَ الْمُزَارَعَةِ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ، فِي أَنَّهَا إنَّمَا تَجُوزُ بِجُزْءٍ لِلْعَامِلِ مِنْ الزَّرْعِ، وَفِي جَوَازِهَا، وَلُزُومِهَا، وَمَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ وَرَبَّ الْأَرْضِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهَا.

(4139) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ شَجَرٌ، وَبَيْنَهُ بَيَاضُ أَرْضٍ، فَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ، وَزَارَعَهُ الْأَرْضَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت