بَعْدِهِ، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ
عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ، ثَمَانُونَ وَسْقًا تَمْرًا، وَعِشْرُونَ وَسْقًا شَعِيرًا، فَقَسَّمَ عُمَرُ خَيْبَرَ، فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْطَعَ لَهُنَّ مِنْ الْأَرْضِ وَالْمَاءِ، أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ الْأَوْسُقَ، فَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَرْضَ، وَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَوْسُقَ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ اخْتَارَتْ الْأَرْضَ.} وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ ; لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا شَيْءٌ عَمِلَ بِهِ إلَى أَنْ مَاتَ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ خُلَفَاؤُهُ بَعْدَهُ، وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِ، وَعَمِلُوا بِهِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ نَسْخُهُ، وَمَتَى كَانَ نَسْخُهُ ؟ فَإِنْ كَانَ نُسِخَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ عُمِلَ بِهِ بَعْدَ نَسْخِهِ، وَكَيْفَ خَفِيَ نَسْخُهُ، فَلَمْ يَبْلُغْ خُلَفَاءَهُ، مَعَ اشْتِهَارِ قِصَّةِ خَيْبَرَ، وَعَمَلِهِمْ فِيهَا ؟ فَأَيْنَ كَانَ رَاوِي النَّسْخِ، حَتَّى لَمْ يَذْكُرْهُ، وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ بِهِ ؟ فَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ
فَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ رَافِعٍ، مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ قَدْ فَسَّرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ بِمَا لَا يُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: كُنَّا مِنْ أَكْثَرِ الْأَنْصَارِ حَقْلًا، فَكُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ، وَلَهُمْ هَذِهِ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَلَمْ يَنْهَنَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: فَأَمَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ، فَلَا بَأْسَ. وَهَذَا خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَيْهِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ. الثَّانِي أَنَّ خَبَرَهُ وَرَدَ فِي الْكِرَاءِ بِثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ، وَالنِّزَاعُ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَلَمْ يَدُلَّ حَدِيثُهُ عَلَيْهَا أَصْلًا، وَحَدِيثُهُ الَّذِي فِيهِ الْمُزَارَعَةُ يُحْمَلُ عَلَى الْكِرَاءِ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، رُوِيَتْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَجِبُ تَفْسِيرُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ بِمَا يُوَافِقُ الْآخَرَ.
الثَّالِثُ أَنَّ أَحَادِيثَ رَافِعٍ مُضْطَرِبَةٌ جِدًّا، مُخْتَلِفَةٌ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. يُوجِبُ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهَا لَوْ انْفَرَدَتْ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَى مِثْلِ حَدِيثِنَا ؟ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدِيثُ رَافِعٍ أَلْوَانٌ. وَقَالَ أَيْضًا: حَدِيثُ رَافِعٍ ضُرُوبٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَدْ جَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَافِعٍ بِعِلَلٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ كَانَ لِذَلِكَ، مِنْهَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَمِنْهَا خَمْسٌ أُخْرَى. وَقَدْ أَنْكَرَهُ فَقِيهَانِ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ; زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ
قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَيْنِ قَدْ اقْتَتَلَا، فَقَالَ:"إنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمْ، فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: قُلْت لِطَاوُسٍ: لَوْ تَرَكْت الْمُخَابَرَةَ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا. قَالَ: إنَّ أَعْلَمَهُمْ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا، وَلَكِنْ قَالَ:"أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا"
ثُمَّ إنَّ أَحَادِيثَ رَافِعٍ مِنْهَا مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمِنْهَا مَا لَا يُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا، وَتَارَةً يُحَدِّثُ عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ، وَتَارَةً عَنْ سَمَاعِهِ، وَتَارَةً عَنْ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ، وَإِذَا كَانَتْ