شُفْعَةً فِي شِقْصٍ، فَقَالَ: هَذَا لِفُلَانٍ الْغَائِبِ. أَوْ لِفُلَانٍ الطِّفْلِ. ثُمَّ أَقَرَّ بِشِرَائِهِ لَهُ،
لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، إلَّا أَنْ تَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ يَقْدَمَ الْغَائِبُ وَيَبْلُغَ الطِّفْلُ، فَيُطَالِبَهُمَا بِهَا ; لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لَهُمَا بِإِقْرَارِهِ بِهِ، فَإِقْرَارُهُ بِالشِّرَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ إقْرَارٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَا يُقْبَلُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ بِالشِّرَاءِ ابْتِدَاءً: لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لَهُمَا بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ الْمُثْبِتِ لِلشُّفْعَةِ، فَثَبَتَا جَمِيعًا. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ الْمِلْكِ، لَمْ يَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، وَلَمْ يُطَالِبْ بِبَيَانِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالشِّرَاءِ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ شُفْعَةٌ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْكَشْفِ عَنْهُ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَذْهَبِنَا.
(4065) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ، فَادَّعَى الْحَاضِرُ عَلَى مَنْ فِي يَدِهِ نَصِيبُ الْغَائِبِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقّهُ بِالشُّفْعَةِ، فَصَدَّقَهُ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ ; لِأَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ الْعَيْنُ يُصَدَّقُ فِي تَصَرُّفِهِ فِيمَا فِي يَدَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ ; لِأَنَّ هَذَا إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا فِي يَدِهِ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِأَصْلِ مِلْكِهِ، وَهَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّك بِعْت نَصِيبَ الْغَائِبِ بِإِذْنِهِ، وَأَقَرَّ لَهُ الْوَكِيلُ، كَانَ كَإِقْرَارِ الْبَائِعِ بِالْبَيْعِ. فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَأَنْكَرَ الْبَيْعَ. أَوْ الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَنْتَزِعُ الشِّقْصَ، وَيُطَالِبُ بِأَجْرِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الشَّفِيعِ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ، فَإِنْ طَالَبَ الْوَكِيلَ، رَجَعَ عَلَى الشَّفِيعِ، وَإِنْ طَالَبَ الشَّفِيعَ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ.
وَإِنْ ادَّعَى عَلَى الْوَكِيلِ، أَنَّك اشْتَرَيْت الشِّقْصَ الَّذِي فِي يَدِكَ. فَأَنْكَرَ، وَقَالَ: إنَّمَا أَنَا وَكِيلٌ فِيهِ، أَوْ مُسْتَوْدَعٌ لَهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، مَعَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ هَاهُنَا عَلَى الْحَاضِرِ بِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ عَلَيْهِ، وَاسْتِحْقَاقِ انْتِزَاعِ الشِّقْصِ مِنْ يَدِهِ، وَحَصَلَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ ضِمْنًا. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَطَالَبَ الشَّفِيعُ بِيَمِينِهِ، فَنَكَلَ عَنْهَا، احْتَمَلَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَقُضِيَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إذَا نَكَلَ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَقْضِيَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَلَا إقْرَارِ مَنْ الشِّقْصُ فِي يَدِهِ.
(4066) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ شُفْعَةً فِي شِقْصٍ اشْتَرَاهُ، فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ مِلْكٌ فِي شَرِكَتِي. فَعَلَى الشَّفِيعِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ شَرِيكٌ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا كَانَ فِي يَدِهِ، اسْتَحَقَّ بِهِ الشُّفْعَةَ لِذَلِكَ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْيَدِ الْمِلْكُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ، لَمْ تَثْبُتْ، وَمُجَرَّدُ الظَّاهِرِ لَا يَكْفِي، كَمَا لَوْ ادَّعَى وَلَدَ أَمَةٍ فِي يَدِهِ. فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَعْلَمُ أَنَّهُ شَرِيكٌ، فَعَلَى الْمُشْتَرِي الْيَمِينُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ، فَكَانَ عَلَى الْعِلْمِ، كَالْيَمِينِ عَلَى نَفْيِ دَيْنِ الْمَيِّتِ.
فَإِذَا حَلَفَ، سَقَطَتْ دَعْوَاهُ، وَإِنْ نَكَلَ، قُضِيَ عَلَيْهِ.
(4067) فَصْلٌ: إذَا ادَّعَى عَلَى شَرِيكِهِ، أَنَّك اشْتَرَيْت نَصِيبَك مِنْ عَمْرٍو، فَلِي شُفْعَتُهُ. فَصَدَّقَهُ عَمْرٌو، فَأَنْكَرَ الشَّرِيكُ، وَقَالَ: بَلْ وَرِثْته مِنْ أَبِي. فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ مِلْكَ عَمْرٍو، لَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ بِذَلِكَ.
وَقَالَ