فهرس الكتاب

الصفحة 1616 من 3896

الْغِرَاسِ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ: إذَا غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا، فَالنَّمَاءُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ.

قَالَ الْقَاضِي: وَعَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ مَا أَنْفَقَهُ الْغَارِسُ مِنْ مُؤْنَةِ الثَّمَرَةِ ; لِأَنَّ الثَّمَرَةَ فِي مَعْنَى الزَّرْعِ فَكَانَتْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إذَا أَدْرَكَهُ قَائِمًا فِيهَا، كَالزَّرْعِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أَخْذَ رَبِّ الْأَرْضِ الزَّرْعَ شَيْءٌ لَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ، وَإِنَّمَا صَارَ إلَيْهِ لِلْأَثَرِ، فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ تُفَارِقُ الزَّرْعَ مِنْ وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، أَنَّ الزَّرْعَ نَمَاءُ الْأَرْضِ، فَكَانَ لِصَاحِبِهَا، وَالثَّمَرَةُ نَمَاءُ الشَّجَرِ. فَكَانَ لِصَاحِبِهِ. الثَّانِي، أَنَّهُ يَرُدُّ عِوَضَ الزَّرْعِ الَّذِي أَخَذَهُ، مِثْلُ الْبَذْرِ الَّذِي نَبَتَ مِنْهُ الزَّرْعُ، مَعَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الثَّمَرِ.

(3953) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ شَجَرًا فَأَثْمَرَ، فَالثَّمَرُ لِصَاحِبِ الشَّجَرِ. بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَلِأَنَّ الشَّجَرَ عَيْنُ مِلْكِهِ نَمَا وَزَادَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَالَتْ أَغْصَانُهُ. وَعَلَيْهِ رَدُّ الثَّمَرِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ.

وَإِنْ كَانَ رُطَبًا فَصَارَ تَمْرًا، أَوْ عِنَبًا فَصَارَ زَبِيبًا، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ إنْ نَقَصَ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ بِعَمَلِهِ فِيهِ، وَلَيْسَ لِلشَّجَرِ أُجْرَةٌ ; لِأَنَّ أُجْرَتَهَا لَا تَجُوزُ فِي الْعُقُودِ، فَكَذَلِكَ فِي الْغَصْبِ، وَلِأَنَّ نَفْعَ الشَّجَرِ تَرْبِيَةُ الثَّمَرِ وَإِخْرَاجُهُ، وَقَدْ عَادَتْ هَذِهِ الْمَنَافِعُ إلَى الْمَالِكِ. وَلَوْ كَانَتْ مَاشِيَةً، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ وَلَدِهَا إنْ وَلَدَتْ عِنْدَهُ، وَيَضْمَنُ لَبَنَهَا بِمِثْلِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَيَضْمَنُ أَوْبَارَهَا وَأَشْعَارَهَا بِمِثْلِهِ، كَالْقُطْنِ.

(3954) فَصْلٌ: وَإِذَا غَصَبَ أَرْضًا، فَحُكْمُهَا فِي جَوَازِ دُخُولِ غَيْرِهِ إلَيْهَا حُكْمُهَا قَبْلَ الْغَصْبِ. فَإِنْ كَانَتْ مُحَوَّطَةً، كَالدَّارِ وَالْبُسْتَانِ الْمُحَوَّطِ، لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ مَالِكِهَا دُخُولُهَا ; لِأَنَّ مِلْكَ مَالِكِهَا لَمْ يَزُلْ عَنْهَا، فَلَمْ يَجُزْ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ.

قَالَ أَحْمَدُ، فِي الضَّيْعَةِ تَصِيرُ غَيْضَةً فِيهَا سَمَكٌ: لَا يَصِيدُ فِيهَا أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِمْ. وَإِنْ كَانَتْ صَحْرَاءَ، جَازَ الدُّخُولُ فِيهَا وَرَعْيُ حَشِيشِهَا. قَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ بِرَعْيِ الْكَلَأِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَأَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ. وَيَتَخَرَّجُ فِي كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ مِثْلُ حُكْمِ الْأُخْرَى. قِيَاسًا لَهَا عَلَيْهَا. وَنَقَلَ عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ، فِي رَجُلٍ وَالِدَاهُ فِي دَارٍ طَوَابِيقُهَا غَصْبٌ. لَا يَدْخُلُ عَلَى وَالِدَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ دُخُولَهُ عَلَيْهِمَا تَصَرُّفٌ فِي الطَّوَابِيقِ الْمَغْصُوبَةِ.

وَنَقَلَ عَنْهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، فِي رَجُلٍ لَهُ إخْوَةٌ فِي أَرْضِ غَصْبٍ: يَزُورُهُمْ وَيُرَاوِدُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ، فَإِنْ أَجَابُوهُ، وَإِلَّا لَمْ يُقِمْ مَعَهُمْ، وَلَا يَدَعُ زِيَارَتَهُمْ. يَعْنِي يَزُورُهُمْ بِحَيْثُ يَأْتِي بَابَ دَارِهِمْ، وَيَتَعَرَّفُ أَخْبَارَهُمْ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، وَيُكَلِّمُهُمْ، وَلَا يَدْخُلُ إلَيْهِمْ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْهُ: أَكْرَهُ الْمَشْيَ عَلَى الْعَبَّارَةِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ.

وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبَّارَةَ وُضِعَتْ لِعُبُورِ الْمَاءِ، لَا لِلْمَشْيِ عَلَيْهَا، وَرُبَّمَا كَانَ الْمَشْيُ عَلَيْهَا يَضُرُّ بِهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَدْفِنُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي أَرْضِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ. وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا مِنْ مَوْضِعِ غَصْبٍ، ثُمَّ عَلِمَ: رَجَعَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ، فَرَدَّهُ.

وَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَطْرَحُهُ. يَعْنِي عَلَى مَنْ ابْتَاعَهُ مِنْهُ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ قُعُودَهُ فِيهِ حَرَامٌ، مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَكَانَ الْبَيْعُ فِيهِ مُحَرَّمًا، وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ مِمَّنْ يَقْعُدُ فِي الْمَوْضِعِ الْمُحَرَّمِ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْقُعُودِ وَالْبَيْعِ فِيهِ، وَتَرْكُ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْقُعُودِ. وَقَالَ: لَا يَبْتَاعُ مِنْ الْخَانَاتِ الَّتِي فِي الطُّرُقِ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ. كَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُضْطَرِّ. وَقَالَ فِي السُّلْطَانِ إذَا بَنَى دَارًا، وَجَمَعَ النَّاسَ إلَيْهَا: أَكْرَهُ الشِّرَاءَ مِنْهَا.

وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ، وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ الْبَيْعِ ; لِأَنَّهُ إذَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت