تَوْكِيلًا فِي تَثْبِيتِهِ وَالْخُصُومَةِ فِيهِ، لِعِلْمِهِ بِوُقُوفِ الْقَبْضِ عَلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ تَوْكِيلًا فِيهِ ; لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِتَوَقُّفِ الْقَبْضِ عَلَيْهِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْحَقِّ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ عَيْنٍ لَمْ يَمْلِكْ تَثْبِيتَهَا ; لِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي نَقْلِهَا، أَشْبَهَ الْوَكِيلَ فِي نَقْلِ الزَّوْجَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَكِيلٌ فِي قَبْضِ حَقٍّ، فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالتَّوْكِيلِ فِي قَبْضِ الدِّينِ ; فَإِنَّهُ وَكِيلٌ فِي قَبْضِهِ وَنَقْلِهِ إلَيْهِ.
(3754) فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ، مَلَكَ تَسْلِيمَهُ ; لِأَنَّ إطْلَاقَ التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ، لِكَوْنِهِ مِنْ تَمَامِهِ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْإِبْرَاءَ مِنْ ثَمَنِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَمْلِكُهُ. وَلَنَا، أَنَّ الْإِبْرَاءَ لَيْسَ مِنْ الْبَيْعِ، وَلَا مِنْ تَتِمَّتِهِ، فَلَا يَكُونُ التَّوْكِيلُ فِي الْبَيْعِ تَوْكِيلًا فِيهِ، كَالْإِبْرَاءِ مِنْ غَيْرِ ثَمَنِهِ.
وَأَمَّا قَبْضُ الثَّمَنِ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: لَا يُمْكِنُ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُوَكِّلُ فِي الْبَيْعِ مَنْ لَا يَأْمَنُهُ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ. فَعَلَى هَذَا إنْ تَعَذَّرَ قَبْضُ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي، لَمْ يَلْزَمْ الْوَكِيلَ شَيْءٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ قَبْضَ الثَّمَنِ ; لِأَنَّهُ مِنْ مُوجِبِ الْبَيْعِ، فَمَلَكَهُ الْوَكِيلُ فِيهِ، كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ. فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لَهُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إلَّا بِقَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ حُضُورِهِ. وَإِنْ سَلَّمَهُ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ ضَمِنَهُ. وَالْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ، فَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةُ الْحَالِ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ، مِثْلُ تَوْكِيلِهِ فِي بَيْعِ ثَوْبٍ فِي سُوقٍ غَائِبٍ عَنْ الْمُوَكِّلِ، أَوْ مَوْضِعٍ يَضِيعُ الثَّمَنُ بِتَرْكِ قَبْضِ الْوَكِيلِ لَهُ، كَانَ إذْنًا فِي قَبْضِهِ.
وَمَتَى تَرَكَ قَبْضَهُ كَانَ ضَامِنًا لَهُ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُوَكِّلِ أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ لِتَحْصِيلِ ثَمَنِهِ، فَلَا يَرْضَى بِتَضْيِيعِهِ، وَلِهَذَا يُعَدُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُضَيِّعًا مُفَرِّطًا. وَإِنْ لَمْ تَدُلّ الْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ.
(3755) فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ، أَوْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ، أَوْ قَسْمِ شَيْءٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَمْلِكُ تَثْبِيتَهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْقِسْمَةِ وَطَلَبِ الشُّفْعَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى مَا وَكَّلَهُ فِيهِ إلَّا بِالتَّثْبِيتِ. وَالثَّانِي، لَا يَمْلِكُهُ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، فَلَمْ يَتَضَمَّنْ الْإِذْنُ فِي أَحَدِهِمَا الْإِذْنَ فِي الْآخَرِ.
(3756) فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ، مَلَكَ تَسْلِيمَ ثَمَنِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ تَتِمَّتِهِ وَحُقُوقِهِ، فَهُوَ كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ. فِي الْبَيْعِ. وَالْحُكْمُ فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ كَالْحُكْمِ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ. فَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا، وَنَقَدَ ثَمَنَهُ، فَخَرَجَ الْعَبْدُ مُسْتَحَقًّا ; فَهَلْ يَمْلِكُ أَنْ يُخَاصِمَ الْبَائِعَ فِي الثَّمَنِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا، وَقَبَضَهُ، وَأَخَّرَ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ. وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، مِثْلُ أَنْ ذَهَبَ لِيَنْقُدَهُ فَهَلَكَ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي إمْسَاكِهِ كَمَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُفَرِّطْ.
(3757) فَصْلٌ: وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ دَيْنٍ مِنْ رَجُلٍ، فَمَاتَ ; نَظَرْت فِي لَفْظِهِ ; فَإِنْ قَالَ: اقْبِضْ حَقِّي مِنْ