وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ إلَّا بِإِذْنِهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ إلَّا بِإِذْنِهَا، أَشْبَهَ الْوَكِيلَ، وَلَنَا، أَنَّ وِلَايَتَهُ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا، فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُهَا فِي تَوْكِيلِهِ فِيهَا، كَالْأَبِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، وَلِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ، أَشْبَهَ الْحَاكِمَ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ يَمْلِكُ تَفْوِيضَ عُقُودِ الْأَنْكِحَةِ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ النِّسَاءِ، فَكَذَلِكَ الْوَلِيُّ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْحَاكِمِ. وَاَلَّذِي يُعْتَبَرُ إذْنُهَا فِيهِ هُوَ غَيْرُ مَا يُوَكَّلُ فِيهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ إذْنِهَا لَهُ فِي التَّزْوِيجِ أَيْضًا، فَهُوَ كَالْمُوَكَّلِ فِي ذَلِكَ.
(3752) فَصْلٌ: إذَا أَذِنَ الْمُوَكِّلُ فِي التَّوْكِيلِ، فَوَكَّلَ، كَانَ الْوَكِيلُ الثَّانِي وَكِيلًا لِلْمُوَكِّلِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، وَلَا عَزْلِهِ، وَلَا يَمْلِكُ الْأَوَّلُ عَزْلَ الثَّانِي ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَكِيلِهِ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُوَكَّلَ لِنَفْسِهِ، جَازَ، وَكَانَ وَكِيلًا لِلْمُوَكَّلِ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَعَزْلِهِ إيَّاهُ، وَإِنْ مَاتَ الْمُوَكَّلُ، أَوْ عُزِلَ الْأَوَّلُ، انْعَزِلَا جَمِيعًا ; لِأَنَّهُمَا فَرْعَانِ لَهُ، لَكِنَّ أَحَدَهُمَا فَرْعٌ لِلْآخَرِ، فَذَهَبَ حُكْمُهُمَا بِذَهَابِ أَصْلِهِمَا.
وَإِنْ وُكِّلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ نُطْقًا، بَلْ وُجِدَ عُرْفًا، أَوْ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي أَجَزْنَا لَهُ التَّوْكِيلَ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، فَالثَّانِي وَكِيلُ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ لِنَفْسِهِ.
(3753) فَصْلٌ: إذَا وَكَّلَ رَجُلًا فِي الْخُصُومَةِ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِقَبْضِ الْحَقِّ وَلَا غَيْرِهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فِيمَا عَدَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَحَدُ جَوَابَيْ الدَّعْوَى، فَصَحَّ مِنْ الْوَكِيلِ، كَالْإِنْكَارِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْإِقْرَارَ مَعْنًى يَقْطَعُ الْخُصُومَةَ وَيُنَافِيهَا، فَلَا يَمْلِكُهُ الْوَكِيلُ فِيهَا، كَالْإِبْرَاءِ. وَفَارَقَ الْإِنْكَارَ ; فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ الْخُصُومَةَ، وَيَمْلِكُهُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَفِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ. وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَمْلِكُ الْإِنْكَارَ عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ الْمُوَكِّلَ مِنْ الْإِقْرَارِ، فَلَوْ مَلَكَ الْإِقْرَارَ، لَامْتَنَعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ الْإِنْكَارُ، فَافْتَرَقَا، وَلَا يَمْلِكُ الْمُصَالَحَةَ عَنْ الْحَقِّ، وَلَا الْإِبْرَاءَ مِنْهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْخُصُومَةِ لَا يَقْتَضِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي تَثْبِيتِ حَقٍّ، لَمْ يَمْلِكْ قَبْضَهُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَمْلِكُ قَبْضَهُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّثْبِيتِ قَبْضُهُ وَتَحْصِيلُهُ. وَلَنَا، أَنَّ الْقَبْضَ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِذْنُ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا، إذْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَرْضَاهُ لِتَثْبِيتِ الْحَقِّ يَرْضَاهُ لِقَبْضِهِ. وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ حَقٍّ، فَجَحَدَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، كَانَ وَكِيلًا فِي تَثْبِيتِهِ عَلَيْهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَالْآخَرُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَالْوَكِيلُ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ وَكِيلًا فِي الْآخَرِ، كَمَا لَا يَكُونُ وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ بِالتَّوْكِيلِ فِي الْخُصُومَةِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الْقَبْضِ إلَّا بِالتَّثْبِيتِ ; فَكَانَ إذْنًا فِيهِ عُرْفًا، وَلِأَنَّ الْقَبْضَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، فَمَلَكَهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مَلَكَ وَزْنَ ثَمَنِهِ، أَوْ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ عَالِمًا بِجَحْدِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ أَوْ مَطْلِهِ، كَانَ