فهرس الكتاب

الصفحة 1331 من 3896

الدِّينِ.

قُلْنَا: هُنَاكَ مَا زَالَتْ الزَّوْجِيَّةُ، وَلَا بَطَلَ الْعَقْدُ، وَلَوْ بَطَلَ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَمَا عَادَ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَإِنَّمَا الْعَقْدُ كَانَ مَوْقُوفًا مُرَاعًى، فَإِذَا أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَبْطُلْ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ قَدْ بَطَلَ، وَهَا هُنَا قَدْ جَزَمْتُمْ بِبُطْلَانِهِ.

(3298) فَصْلٌ: وَهَلْ يَصِحُّ رَهْنُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ الْغَرَرَ يَقِلُّ فِيهِ، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مَتَى تَلِفَتْ، عَادَ إلَى حَقِّهِ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَجَازَ رَهْنُهُ، وَمَتَى حَلَّ الْحَقُّ بِيعَ، وَإِنْ اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ تَأْخِيرَ بَيْعِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ.

وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ. وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ، كَسَائِرِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجُوزُ رَهْنُ الْمَبِيعِ الَّذِي يُشْتَرَطُ، قَبْضُهُ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّ قَبْضَهُ مُسْتَحَقٌّ، فَيُمْكِنُ الْمُشْتَرِيَ قَبْضُهُ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ. أَمَّا الْبَيْعُ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَرْبَحَ فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ رَهْنُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ.

(3299) فَصْلٌ: وَفِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ. نَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْهُ: أَرْخَصَ فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيْعِهِ، وَبَيْعُهُ غَيْرُ جَائِزٍ.

وَالثَّانِيَةُ، يَصِحُّ رَهْنُهُ. فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا رَهَنَ مُصْحَفًا لَا يَقْرَأُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِهِ. فَظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ رَهْنِهِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ فَصَحَّ رَهْنُهُ، كَغَيْرِهِ.

(3300) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنَّ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا يَرْهَنُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَعَارَ مِنْ الرَّجُلِ شَيْئًا يَرْهَنُهُ عَلَى دَنَانِيرَ مَعْلُومَةٍ، عِنْدَ رَجُلٍ سَمَّاهُ، إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَفَعَلَ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ الْمُرْتَهَنَ، وَالْقَدْرَ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ، وَجِنْسَهُ، وَمُدَّةَ الرَّهْنِ ; لِأَنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، فَاحْتِيجَ إلَى ذِكْرِهِ، كَأَصْلِ الرَّهْنِ، وَمَتَى شَرَطَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَخَالَفَ، وَرَهَنَهُ بِغَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي هَذَا الرَّهْنِ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي رَهْنِهِ بِقَدْرِ مِنْ الْمَالِ، فَنَقَصَ عَنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي رَهْنِهِ بِمِائَةِ، فَيَرْهَنُهُ بِخَمْسِينَ، صَحَّ ; لِأَنَّ مَنْ أَذِنَ فِي مِائَةٍ، فَقَدْ أَذِنَ فِي خَمْسِينَ.

وَإِنْ رَهَنَهُ بِأَكْثَرَ، مِثْلُ أَنَّ رَهَنَهُ بِمِائَةِ وَخَمْسِينَ، احْتَمَلَ أَنْ يَبْطُلَ فِي الْكُلِّ ; لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ، فَبَطَلَ، كَمَا لَوْ قَالَ: ارْهَنْهُ بِدَنَانِيرَ. فَرَهَنَهُ بِدَرَاهِمَ أَوْ بِحَالٍّ فَرَهَنَهُ بِمُؤَجَّلٍ أَوْ بِمُؤَجَّلٍ. فَرَهَنَهُ بِحَالٍّ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ. كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي، أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمِائَةِ، وَيَبْطُلُ فِي الزَّائِدِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ، فَجَازَ فِيمَا دُونَ غَيْرِهِ، كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَيُفَارِقُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأُصُولِ ; فَإِنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَأْذُونًا فِيهِ بِحَالٍّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ لَا يُوجَدُ فِي الْآخَرِ، فَإِنَّ الرَّاهِنَ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى فِكَاكِهِ فِي الْحَالِّ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْأَجَلِ وَبِالْعَكْسِ. وَقَدْ يَقْدِرُ عَلَى فِكَاكِهِ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَيَفُوتُ الْغَرَضُ بِالْمُخَالَفَةِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا إذَا صَحَّ فِي الْمِائَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا لَمْ يَخْتَلِفْ الْغَرَضُ، فَإِنْ أَطْلَقَ الرَّهْنَ فِي الْإِذْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ، وَلَهُ رَهْنُهُ بِمَا شَاءَ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت