فهرس الكتاب

الصفحة 1330 من 3896

وَالرُّطَبِ، أَوْ لَا يُمْكِنُ، كَالْبِطِّيخِ وَالطَّبِيخِ. ثُمَّ إنْ كَانَ مِمَّا يُجَفَّفُ، فَعَلَى الرَّاهِنِ تَجْفِيفُهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ حِفْظِهِ وَتَبْقِيَتِهِ، فَلَزِمَ الرَّاهِنَ، كَنَفَقَةِ الْحَيَوَانِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُجَفَّفُ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ، وَيَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ، إنْ كَانَ حَالًّا، أَوْ يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ، جَعَلَ ثَمَنَهُ مَكَانَهُ رَهْنًا، سَوَاءٌ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ بَيْعَهُ أَوْ أَطْلَقَ.

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ مِمَّا يَفْسُدُ قَبْلَ مَحِلِّ الدَّيْنِ، فَشَرَطَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بَيْعَهُ وَجَعَلَ ثَمَنَهُ مَكَانَهُ، صَحَّ. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا، لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ لَا يَقْتَضِيه عَقْدُ الرَّهْنِ، فَلَمْ يَجِبْ، وَلَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهَيْنِ، كَالْقَوْلَيْنِ.

وَلَنَا، أَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يُعَرِّضُ مِلْكَهُ لِلتَّلَفِ وَالْهَلَاكِ، فَإِذَا تَعَيَّنَ حِفْظُهُ فِي بَيْعِهِ، حُمِلَ عَلَيْهِ مُطْلَقُ الْعَقْدِ، كَتَجْفِيفِ مَا يَجِفُّ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَيَوَانِ، وَحِرْزِ مَا يَحْتَاجُ إلَى حِرْزٍ. وَأَمَّا إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُبَاعَ، فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ شَرَطَ مَا يَتَضَمَّنُ فَسَادَهُ، وَفَوَاتَ الْمَقْصُودِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُجَفِّفَ مَا يَجِفُّ، أَوْ لَا يُنْفِقَ عَلَى الْحَيَوَانِ. وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهُ إنْ شَرَطَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعَهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ الرَّاهِنُ أَوْ غَيْرُهُ، بَاعَهُ.

وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ، بَاعَهُ الْحَاكِمُ، وَجَعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا، وَلَا يَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَعْجِيلُ وَفَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ حُلُولِهِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ رَهَنَهُ ثِيَابًا فَخَافَ تَلَفَهَا، أَوْ حَيَوَانًا وَخَافَ مَوْتَهُ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ رَهَنَ ثِيَابًا يَخَافُ فَسَادَهَا، كَالصُّوفِ: أَتَى السُّلْطَانَ، فَأَمَرَهُ بِبَيْعِهَا.

(3297) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ رَهْنُ الْعَصِيرِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَتَعَرُّضُهُ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْمَالِيَّةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ رَهْنِهِ، كَالْمَرِيضِ وَالْجَانِي. ثُمَّ إنْ اسْتَحَالَ إلَى حَالٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا عَنْ الْمَالِيَّةِ، كَالْخَلِّ، فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ، وَإِنْ صَارَ خَمْرًا زَالَ لُزُومُ الْعَقْدِ، وَوَجَبَتْ إرَاقَتُهُ، فَإِنْ أُرِيقَ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ ; لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ. وَإِنْ عَادَ خَلًّا، عَادَ اللُّزُومُ، بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ، كَمَا لَوْ زَالَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الرَّهْنِ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ. وَإِنْ اسْتَحَالَ خَمْرًا قَبْلَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ، بَطَلَ الرَّهْنُ، وَلَمْ يَعُدْ بِعَوْدِهِ خَلًّا ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ الْقَبْضِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ إسْلَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْعَصِيرَ إذَا اسْتَحَالَ خَمْرًا بَعْدَ الْقَبْضِ، بَطَلَ الرَّهْنُ، ثُمَّ إذَا عَادَ خَلًّا، عَادَ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ، مَرْهُونًا بِالْعَقْدِ السَّابِقِ ; لِأَنَّهُ يَعُودُ مَمْلُوكًا بِحُكْمِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ، فَيَعُودُ حُكْمُ الرَّهْنِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ زَالَ بِزَوَالِ الْمِلْكِ، فَيَعُودُ بِعَوْدِهِ.

وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ حَالَةَ كَوْنِهِ عَصِيرًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ لَهُ قِيمَةٌ، فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّ الْجَانِي، وَلِأَنَّ الْيَدَ لَمْ تَزُلْ عَنْهُ حُكْمًا، وَلِهَذَا لَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ، فَتَخَلَّلَ فِي يَدِهِ، كَانَ مِلْكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَوْ زَالَتْ يَدُهُ، لَكَانَ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ، كَمَا لَوْ أَرَاقَهُ فَجَمَعَهُ إنْسَانٌ، فَتَخَلَّلَ فِي يَدِهِ، كَانَ لَهُ، دُونَ مَنْ أَرَاقَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ قَوْلُنَا الْأَوَّلُ فِي الْمَعْنَى، إلَّا أَنْ يَقُولُوا بِبَقَاءِ اللُّزُومِ فِيهِ حَالَ كَوْنِهِ خَمْرًا.

وَلَمْ يَظْهَرْ لِي فَائِدَةُ الْخِلَافِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَوْدِهِ رَهْنًا بِاسْتِحَالَتِهِ خَلًّا، وَأَرَى الْقَوْلَ بِبَقَائِهِ رَهْنًا أَقْرَبَ إلَى الصِّحَّةِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ لَوْ بَطَلَ لَمَا عَادَ صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ ابْتِدَاءِ عَقْدٍ. فَإِنْ قَالُوا: يُمْكِنُ عَوْدُهُ صَحِيحًا لِعَوْدِ الْمَعْنَى الَّذِي بَطَلَ بِزَوَالِهِ، كَمَا أَنَّ زَوْجَةَ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَتْ خَرَجَتْ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ، لِاخْتِلَافِ دِينِهِمَا، فَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ فِي الْعِدَّةِ، عَادَتْ الزَّوْجِيَّةُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، لِزَوَالِ الِاخْتِلَافِ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت