فهرس الكتاب

الصفحة 1315 من 3896

وَالْإِمْضَاءِ ; فَمَلَكَا الزِّيَادَةَ فِيهِ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْقَرْضِ وَبَدَلِ الْمُتْلَفِ كَقَوْلِنَا، وَفِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَالْأُجْرَةِ وَالصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ كَقَوْلِهِمَا ; لِأَنَّ الْأَجَلَ يَقْتَضِي جُزْءًا مِنْ الْعِوَضِ، وَالْقَرْضُ لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ فِي عِوَضِهِ، وَبَدَلُ الْمُتْلَفِ الْوَاجِبِ فِيهِ الْمِثْلُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ ; فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَأَجَّلْ، وَبَقِيَّةُ الْأَعْوَاضِ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهَا، فَجَازَ تَأْجِيلُهَا.

وَلَنَا، أَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ، حَالًّا، وَالتَّأْجِيلَ تَبَرُّعٌ مِنْهُ وَوَعْدٌ، فَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا، وَهَذَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّرْطِ، وَلَوْ سُمِّيَ، فَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِالْعَارِيَّةِ، فَيَلْحَقُ بِهِ مِمَّا اخْتَلَفَا فِيهِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَلَنَا، عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهَا زِيَادَةٌ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ، فَأَشْبَهَ الْقَرْضَ، وَأَمَّا الْإِقَالَةُ: فَهِيَ فَسْخٌ، وَابْتِدَاءُ عَقْدٍ آخَرَ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَأَمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ الْقَبْضُ لِمَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ، وَالتَّعَيُّنُ لِمَا فِي الذِّمَّةِ.

(3258) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ قَرْضُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ اسْتِقْرَاضَ مَالَهُ مِثْلٌ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُون وَالْأَطْعِمَةِ جَائِزٌ. وَيَجُوزُ قَرْضُ كُلِّ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، سِوَى بَنِي آدَمَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ قَرْضٌ غَيْرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ; لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ، أَشْبَهَ الْجَوَاهِرَ. وَلَنَا، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا، وَلَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ.}

وَلِأَنَّ مَا يَثْبُتُ سَلَمًا، يُمْلَكُ بِالْبَيْعِ وَيُضْبَطُ بِالْوَصْفِ، فَجَازَ قَرْضُهُ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا مِثْلَ لَهُ. خِلَافُ أَصْلِهِمْ، فَإِنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لَوْ أَتْلَفَ عَلَى رَجُلٍ ثَوْبًا، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلُهُ، وَيَجُوزُ الصُّلْحُ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ. فَأُمًّا مَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، كَالْجَوَاهِرِ وَشَبَهِهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ فِيهَا قَرْضُهَا، وَيَرُدُّ الْمُسْتَقْرِضُ الْقِيمَةَ ; لِأَنَّ مَا لَا مِثْلَ لَهُ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ، وَالْجَوَاهِرُ كَغَيْرِهَا فِي الْقِيَمِ.

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ قَرْضُهَا، لِأَنَّ الْقَرْضَ يَقْتَضِي رَدَّ الْمِثْلِ، وَهَذِهِ لَا مِثْلَ لَهَا. وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ قَرْضُهَا، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى مَا نُقِلَ الْقَرْضُ فِيهِ، لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمَرَافِقِ، وَلَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهَا عَلَى الْمَنْعِ. وَيُمْكِنُ بِنَاءُ هَذَا الْخِلَافِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْوَاجِبِ فِي بَدَلِ غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَإِذَا قُلْنَا: الْوَاجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ. لَمْ يَجُزْ قَرْضُ الْجَوَاهِرِ وَمَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، لِتَعَذُّرِ رَدِّ مِثْلِهَا. وَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ رَدُّ الْقِيمَةِ. جَازَ قَرْضُهُ ; لِإِمْكَانِ رَدِّ الْقِيمَةِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ.

(3259) فَصْلٌ: فَأَمَّا بَنُو آدَمَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ قَرْضَهُمْ. فَيَحْتَمِلُ كَرَاهِيَةَ تَنْزِيهٍ، وَيَصِحُّ قَرْضُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجِ، وَالْمَزْنِيِّ ; لِأَنَّهُ مَالٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، فَصَحَّ قَرْضُهُ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ، فَلَا يَصِحُّ قَرْضُهُمْ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ قَرْضُهُمْ، وَلَا هُوَ مِنْ الْمَرَافِقِ. وَيَحْتَمِلُ صِحَّةَ قَرْضِ الْعَبِيدِ دُونَ الْإِمَاء. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنْ يُقْرِضَهُنَّ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهِنَّ، لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْقَرْضِ ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ رَدِّهَا عَلَى الْمُقْرِضِ، فَلَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ، كَالْمِلْكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَإِذَا لَمْ يُبَحْ الْوَطْءُ لَمْ يَصِحَّ الْقَرْضُ، لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَرْقِ، وَلِأَنَّ الْأَبْضَاعَ مِمَّا يُحْتَاطُ لَهَا، وَلَوْ أَبَحْنَا قَرْضَهُنَّ، أَفْضَى إلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَسْتَقْرِضُ أَمَةً، فَيَطَؤُهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا مِنْ يَوْمِهِ، وَمَتَى احْتَاجَ إلَى وَطْئِهَا، اسْتَقْرَضَهَا فَوَطِئَهَا ثُمَّ رَدَّهَا، كَمَا يَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ، فَيَنْتَفِعُ بِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ.

وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ نَاقِلٌ لِلْمِلْكِ فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَلَا نُسَلِّمُ ضِعْفَ الْمِلْكِ ; فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، بِخِلَافِ الْمِلْكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. وَقَوْلُهُمْ: مَتَى شَاءَ الْمُقْتَرِضُ رَدَّهَا. مَمْنُوعٌ ; فَإِنَّنَا إذَا قُلْنَا: الْوَاجِبُ رَدُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت