لِحَاجَتِهِ، وَعَوْنًا لَهُ، فَكَانَ مَنْدُوبًا إلَيْهِ، كَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبِ. قَالَ أَحْمَدُ لَا إثْمَ عَلَى مَنْ سُئِلَ الْقَرْضَ فَلَمْ يُقْرِضْ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ، فَأَشْبَهَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ. وَلَيْسَ بِمَكْرُوهِ فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ. قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ الْقَرْضُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ. يَعْنِي لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَقْرِضُ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِعِوَضِهِ، فَأَشْبَهَ الشِّرَاءَ بِدَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا أُحِبُّ أَنْ يَتَحَمَّلَ بِأَمَانَتِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ. يَعْنِي مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَقْرِضَ، فَلْيُعْلِمْ مَنْ يَسْأَلُهُ الْقَرْضَ بِحَالِهِ، وَلَا يَغُرُّهُ مِنْ نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ رَدُّ مِثْلِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا اقْتَرَضَ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِحَالِهِ، لَمْ يُعْجِبْنِي. وَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَقْتَرِضَ بِجَاهِهِ لِإِخْوَانِهِ. قَالَ الْقَاضِي: يُعْنَى إذَا كَانَ مَنْ يَقْتَرِضُ لَهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْوَفَاءِ ; لِكَوْنِهِ تَغْرِيرًا بِمَالِ الْمُقْرِضِ، وَإِضْرَارًا بِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْوَفَاءِ، لَمْ يُكْرَهْ ; لِكَوْنِهِ إعَانَةً لَهُ، وَتَفْرِيجًا لِكُرْبَتِهِ.
(3255) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْمَالِ، فَلَمْ يَصِحَّ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ. وَحُكْمُهُ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ حُكْمُ الْبَيْعِ، عَلَى مَا مَضَى. وَيَصِحُّ بِلَفْظِ السَّلَفِ وَالْقَرْضِ ; لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِمَا، وَبِكُلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُمَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: مَلَّكْتُك هَذَا، عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَى بَدَلَهُ. أَوْ تُوجَدُ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَةِ الْقَرْضِ. فَإِنْ قَالَ: مَلَّكْتُك.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَدَلَ، وَلَا وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَهُوَ هِبَةٌ. فَإِنْ اخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ هِبَةٌ.
(3256) فَصْلٌ: وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارٌ مَا ; لِأَنَّ الْمُقْرِضَ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةِ أَنَّ الْحَظَّ لِغَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ، وَالْمُقْتَرِضُ مَتَى شَاءَ رَدَّهُ، فَيَسْتَغْنِي بِذَلِكَ عَنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ. وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْقَرْضِ بِالْقَبْضِ. وَهُوَ عَقَدَ لَازِمٌ فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ، جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُقْتَرِضِ، فَلَوْ أَرَادَ الْمُقْرِضُ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ كُلَّ مَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِمِثْلِهِ مَلَكَ أَخْذَهُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا، كَالْمَغْصُوبِ وَالْعَارِيَّةِ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ بِعِوَضٍ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَالْمَبِيعِ، وَيُفَارِقُ الْمَغْصُوبَ، وَالْعَارِيَّةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِمِثْلِهِمَا مَعَ وُجُودِهِمَا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا بِخِلَافِهِ. فَأَمَّا الْمُقْتَرِضُ، فَلَهُ رَدُّ مَا اقْتَرَضَهُ عَلَى الْمُقْرِضِ، إذَا كَانَ عَلَى صِفَتِهِ لَمْ يَنْقُصْ، وَلَمْ يَحْدُثْ بِهِ عَيْبٌ ; لِأَنَّهُ عَلَى صِفَةِ حَقِّهِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ أَعْطَاهُ غَيْرَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْمُقْتَرِضَ قَبُولُ مَا لَيْسَ بِمِثْلِي ; لِأَنَّ الْقَرْضَ فِيهِ يُوجِبُ رَدَّ الْقِيمَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِذَا رَدَّهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَرُدَّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ كَالْمَبِيعِ.
(3257) فَصْلٌ: وَلِلْمُقْرِضِ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ فِي الْحَالِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ، فَأَوْجَبَهُ حَالَّا كَالْإِتْلَافِ. وَلَوْ أَقْرَضَهُ تَفَارِيقَ، ثُمَّ طَالَبَهُ بِهَا جُمْلَةً ; فَلَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ حَالٌّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ بُيُوعًا حَالَّةً، ثُمَّ طَالَبَهُ بِثَمَنِهَا جُمْلَةً. وَإِنْ أَجَّلَ الْقَرْضَ، لَمْ يَتَأَجَّلْ، وَكَانَ حَالًّا. وَكُلُّ دَيْنٍ حَلَّ أَجَلُهُ، لَمْ يَصِرْ مُؤَجَّلًا بِتَأْجِيلِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ: يَتَأَجَّلُ الْجَمِيعُ بِالتَّأْجِيلِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ.}
وَلِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَمْلِكَانِ التَّصَرُّفَ فِي هَذَا الْعَقْدِ بِالْإِقَالَةِ