وَخَرَّجَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِي كُتُبِهِمْ. وَحَدِيثُهُمْ فِي سِيَاقِهِ: {إلَّا الْعَرَايَا} كَذَلِكَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا. وَلَوْ قُدِّرَ تَعَارُضُ الْحَدِيثَيْنِ، وَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنَا لِخُصُوصِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَعَمَلًا بِكِلَا النَّصَّيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الَّذِي نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ هُوَ الَّذِي أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا، وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى. وَالْقِيَاسُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ النَّصِّ مَعَ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ، أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا. وَالرُّخْصَةُ اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ، مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ الْحَاظِرِ، فَلَوْ مَنَعَ وُجُودُ السَّبَبِ مِنْ الِاسْتِبَاحَةِ، لَمْ يَبْقَ لَنَا رُخْصَةٌ بِحَالٍ. (2867)
الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَتَجُوزُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِهَا. فَأَمَّا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ إمَامِنَا رَحِمَهُ اللَّهُ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ: يَجُوزُ. وَرَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ وَسَهْلٍ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ، مُطْلَقًا، ثُمَّ اسْتَثْنَى مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَشَكَّ فِي الْخَمْسَةِ فَاسْتَثْنَى الْيَقِينَ، وَبَقِيَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْإِبَاحَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ.} وَالْمُزَابَنَةُ: بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، ثُمَّ أَرْخَصَ فِي الْعَرِيَّةِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَشَكَّ فِي الْخَمْسَةِ، فَيَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ فِي التَّحْرِيمِ. وَلِأَنَّ الْعَرِيَّةَ رُخْصَةٌ بُنِيَتْ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ يَقِينًا فِيمَا دُونَ الْخَمْسَةِ، وَالْخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا، فَلَا تَثْبُتُ إبَاحَتُهَا مَعَ الشَّكِّ وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ فِي الْوَسْقِ وَالْوَسْقَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ.} وَالتَّخْصِيصُ بِهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الْعَدَدِ عَلَيْهِ، كَمَا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْخَمْسَةِ ; لِتَخْصِيصِهِ إيَّاهَا بِالذِّكْرِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَهْلٍ، {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ ; النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ.} وَلِأَنَّ خَمْسَةَ الْأَوْسُقِ فِي حُكْمِ مَا زَادَ عَلَيْهَا ; بِدَلِيلِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا دُونَ مَا نَقَصَ عَنْهَا، وَلِأَنَّهَا قَدْرٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ عَرِيَّةً، كَالزَّائِدِ عَلَيْهَا. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَرْخَصَ فِي الْعَرِيَّةِ مُطْلَقًا، فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الرُّخْصَةَ الْمُطْلَقَةَ سَابِقَةٌ عَلَى الرُّخْصَةِ الْمُقَيَّدَةِ، وَلَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهَا، بَلْ الرُّخْصَةُ وَاحِدَةٌ، رَوَاهَا بَعْضُهُمْ مُطْلَقَةً وَبَعْضُهُمْ مُقَيَّدَةً، فَيَجِبُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَيَصِيرُ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ كَأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْآخَرِ، وَلِذَلِكَ يُقَيَّدُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ، اتِّفَاقًا.
(2868) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، فِيمَا زَادَ عَلَى صَفْقَةٍ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهَا مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جَمَاعَةٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ بَيْعُ جَمِيعِ ثَمَرِ حَائِطِهِ عَرَايَا، مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ رِجَالٍ، فِي عُقُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ ; لِعُمُومِ حَدِيثِ زَيْدٍ وَسَهْلٍ، وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ مَرَّةً، جَازَ أَنْ يَتَكَرَّرَ، كَسَائِرِ الْبُيُوعِ.
وَلَنَا، عُمُومُ النَّهْيِ عَنْ الْمُزَابَنَةِ، اسْتَثْنَى مِنْهُ الْعَرِيَّةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، فَمَا زَادَ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ فِي التَّحْرِيمِ. وَلِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مَرَّةً إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، لَا يَجُوزُ فِي عَقْدَيْنِ، كَاَلَّذِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَكَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالنَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ ; بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا، فَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ إنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ. فَأَمَّا إنْ بَاعَ رَجُلٌ عَرِيَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ جَازَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي: لَا يَجُوزُ ; لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُشْتَرِي.