لَا يَقْصِدُ أَيْضًا سِوَى ذَلِكَ، وَرُبَّمَا لَا يَنْتَفِعُ بِالْأَرْضِ الَّتِي سَمَّى الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَتِهَا، وَمَتَى لَمْ يَخْرُجْ الثَّمَرُ، أَوْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، جَاءَ الْمُسْتَأْجِرُ يَطْلُبُ الْجَائِحَةَ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ مَالَهُ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَرَةِ لَا غَيْرُ، وَرَبُّ الْأَرْضِ يَعْلَمُ ذَلِكَ.
(2862) فَصْلٌ: وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِمُكَسَّرَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَهُ صَحِيحًا أَقَلَّ مِنْهَا. قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا هُوَ الرِّبَا الْمَحْضُ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ عِوَضَ الْفِضَّةِ أَقَلَّ مِنْهَا، فَيَحْصُلُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا. وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِصَحِيحٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَهُ مُكَسَّرَةً أَكْثَرَ مِنْهَا كَذَلِكَ. فَإِنْ تَفَاسَخَا الْبَيْعَ، ثُمَّ عَقَدَا بِالصِّحَاحِ، أَوْ بِالْمُكَسَّرَةِ جَازَ.
وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِنِصْفِ دِينَارٍ، لَزِمَهُ نِصْفُ دِينَارٍ شِقٍّ، فَإِنْ عَادَ فَاشْتَرَى شَيْئًا آخَرَ بِنِصْفٍ آخَرَ لَزِمَهُ نِصْفُ شِقٍّ أَيْضًا، فَإِنْ وَفَّاهُ دِينَارًا صَحِيحًا، بَطَلَ الْعَقْدُ الثَّانِي ; لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ اشْتِرَاطَ زِيَادَةِ ثَمَنِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، بَطَلَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ وُجِدَ مَا يُفْسِدُهُ قَبْلَ انْبِرَامِهِ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا فَلُزُومِهِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِهِ الَّذِي عَقَدَ الْبَيْعَ بِهِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا.
(2863) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ دِينَارٌ وَدِيعَةً، فَصَارَفَهُ بِهِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بَقَاؤُهُ، أَوْ مَظْنُونٌ، صَحَّ الصَّرْفُ. وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، لَمْ يَصِحَّ الصَّرْفُ ; لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَعْدُومِ. وَإِنْ شَكَّ فِيهِ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومِ الْبَقَاءِ. وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، فَصَحَّ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّكِّ، فَإِنَّ الشَّكَّ لَا يُزِيلُ الْيَقِينَ ; وَلِذَلِكَ صَحَّ بَيْعُ الْحَيَوَانِ الْغَائِبِ الْمَشْكُوكِ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ تَالِفًا حِينَ الْعَقْدِ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بَاطِلًا.
(2864) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ الصَّاغَةِ وَالْمَعْدِنِ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ ; لِأَنَّهُ مَالُ رِبًا بِيعَ بِجِنْسِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا تُعْلَمُ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا، فَلَمْ يَصِحَّ، كَبَيْعِ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ. وَإِنْ بِيعَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ، كَرَاهَةَ بَيْعِ تُرَابِ الْمَعَادِنِ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ ; لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي (الْإِرْشَادِ) : يَجُوزُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَاللَّيْثِ، قَالُوا: فَإِنْ اخْتَلَطَ، أَوْ أَشْكَلَ فَلْيَبِعْهُ بِعَرْضٍ، وَلَا يَبِعْهُ بِعَيْنٍ وَلَا وَرِقٍ ; لِأَنَّهُ بَاعَهُ بِمَا لَا رِبَا فِيهِ فَجَازَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ.
(2865) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ (وَالْعَرَايَا الَّتِي أَرْخَصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; هُوَ أَنْ يُوهَبَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ النَّخْلِ مَا لَيْسَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، فَيَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ لِمَنْ يَأْكُلُهَا رُطَبًا)
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ:
(2866) فَصْلٌ أَوَّلُهَا، فِي إبَاحَةِ بَيْعِ الْعَرَايَا فِي الْجُمْلَةِ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ، بَيْعُ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ يَبِيعُ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ فِي أَحَدِهِمَا، فَلَمْ يَحُزْ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، أَوْ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَسَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، وَغَيْرُهُمَا.