فهرس الكتاب

الصفحة 1105 من 3896

فَصْلٌ: وَيَمْنَعُ مِنْ الْعُيُوبِ فِي الْهَدْيِ مَا يَمْنَعُ فِي الْأُضْحِيَّةِ. قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: {قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تَنْقَى. قَالَ: قُلْت: إنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي السِّنِّ نَقْصٌ. قَالَ: مَا كَرِهْت فَدَعْهُ، وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلَى أَحَدٍ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، قَالَ: أَمَّا الَّذِي سَمِعْنَاهُ فَالْأَرْبَعُ، وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَاهُنَّ جَائِزٌ.

وَمَعْنَى قَوْلِهِ:"الْبَيِّنُ عَوَرُهَا". أَيْ انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا وَذَهَبَتْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُهَا ; لِأَنَّ شَحْمَةَ الْعَيْنِ عُضْوٌ مُسْتَطَابٌ، فَلَوْ كَانَ عَلَى عَيْنِهَا بَيَاضٌ وَلَمْ تَذْهَبْ الْعَيْنُ، جَازَتْ التَّضْحِيَةُ بِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُهَا فِي اللَّحْمِ. وَالْعَرْجَاءُ الْبَيْنُ عَرَجُهَا: الَّتِي عَرَجُهَا مُتَفَاحِشٌ يَمْنَعُهَا السَّيْرَ مَعَ الْغَنَمِ، وَمُشَارَكَتَهُنَّ فِي الْعَلَفِ، وَيُهْزِلُهَا. وَاَلَّتِي لَا تَنْقَى: الَّتِي لَا مُخَّ فِيهَا لِهُزَالِهَا. وَالْمَرِيضَةُ: قِيلَ هِيَ الْجَرْبَاءُ ; لِأَنَّ الْجَرَبَ يُفْسِدُ اللَّحْمَ.

وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ مَرِيضَةٍ مَرَضًا يُؤَثِّرُ فِي هُزَالِهَا، أَوْ فِي فَسَادِ لَحْمِهَا، يَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ بِهَا، وَهَذَا أَوْلَى، لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ وَالْمَعْنَى. فَهَذِهِ الْأَرْبَعُ لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي مَنْعِهَا. وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيمَا نَقْصٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، فَلَا تَجُوزُ الْعَمْيَاءُ ; لِأَنَّ الْعَمَى أَكْثَرُ مِنْ الْعَوَرِ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَعَ الْعَمَى انْخِسَافُ الْعَيْنِ ; لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمَشْيِ مَعَ الْغَنَمِ، وَالْمُشَارَكَةِ فِي الْعَلَفِ أَكْثَرَ مِنْ إخْلَالِ الْعَرَجِ. وَلَا يَجُوزُ مَا قُطِعَ مِنْهَا عُضْوٌ مُسْتَطَابٌ، كَالْأَلْيَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْإِخْلَالِ بِالْمَقْصُودِ مِنْ ذَهَابِ شَحْمَةِ الْعَيْنِ.

فَأَمَّا الْعَضْبَاءُ، وَهِيَ مَا ذَهَبَ نِصْفُ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا، فَلَا تُجْزِئُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي عَضْبَاءِ الْأُذُنِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا تُجْزِئُ مَا ذَهَبَ ثُلُثُ أُذُنِهَا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، تُجْزِئُ الْمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ ; لِأَنَّ ذَهَابَ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي اللَّحْمِ، فَأَجْزَأَتْ، كَالْجَمَّاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ يَدْمَى، لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ.

وَلَنَا، مَا رَوَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: {نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ} . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ قَتَادَةُ: فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: نَعَمْ، الْعَضَبُ النِّصْفُ فَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَيُحْمَلُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ وَافَقَهُ، عَلَى أَنَّ كَسْرَ مَا دُونَ النِّصْفِ لَا يَمْنَعُ.

(2743) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُ الْخَصِيُّ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا قُطِعَتْ خُصْيَتَاهُ أَوْ مَسْلُولًا، وَهُوَ الَّذِي سُلَّتْ بَيْضَتَاهُ، أَوْ مَوْجُوءًا، وَهُوَ الَّذِي رُضَّتْ بَيْضَتَاهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ. وَالْمَرْضُوضُ كَالْمَقْطُوعِ. وَلِأَنَّ ذَلِكَ الْعُضْوَ غَيْرُ مُسْتَطَابٍ، وَذَهَابُهُ يُؤَثِّرُ فِي سِمَنِهِ، وَكَثْرَةِ اللَّحْمِ وَطِيبِهِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَتُجْزِئُ الْجَمَّاءُ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَهَا قَرْنٌ.

وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ ; لِأَنَّ عَدَمَ الْقَرْنِ أَكْثَرُ مِنْ ذَهَابِ نِصْفِهِ. وَالْأَوْلَى أَنَّهَا تُجْزِئُ ; لِأَنَّ الْقَرْنَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وَلَا وَرَدَ النَّهْيُ عَمَّ عُدِمَ فِيهِ. وَتُجْزِئُ الصَّمْعَاءُ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَهَا أُذُنٌ، أَوْ خُلِقَتْ لَهَا أُذُنٌ صَغِيرَةٌ كَذَلِكَ. وَتُجْزِئُ الْبَتْرَاءُ، وَهِيَ الْمَقْطُوعَةُ الذَّنَبِ كَذَلِكَ.

(2744) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِمَشْقُوقَةِ الْأُذُنِ، أَوْ مَا قُطِعَ مِنْهَا شَيْءٌ، أَوْ مَا فِيهَا عَيْبٌ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ ; لِقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أُمِرْنَا أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ. وَلَا يُضَحِّي بِمُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا شَرْقَاءَ قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْت لِأَبِي إِسْحَاقَ: مَا الْمُقَابَلَةُ ؟ قَالَ: يُقْطَعُ طَرَفُ الْأُذُنِ. قُلْت: فَمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت