اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا. وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، وَلِأَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَلَا تَدْخُلُهَا مَعَ الْعَجْزِ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
وَلَنَا، حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، {إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، {إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَحُجِّي عَنْهُ} . وَسُئِلَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ شَيْخٍ لَا يَجِدُ الِاسْتِطَاعَةَ، قَالَ. يُجَهَّزُ عَنْهُ. وَلِأَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ تَجِبُ بِإِفْسَادِهَا الْكَفَّارَةُ، فَجَازَ أَنْ يَقُومَ غَيْرُ فِعْلِهِ فِيهَا مَقَامَ فِعْلِهِ، كَالصَّوْمِ إذَا عَجَزَ عَنْهُ افْتَدَى، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.
(2216) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالًا يَسْتَنِيبُ بِهِ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ. بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّ الصَّحِيحَ لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَحُجُّ بِهِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، فَالْمَرِيضُ أَوْلَى.
وَإِنْ وَجَدَ مَالًا، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي إمْكَانِ الْمَسِيرِ، هَلْ هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، أَوْ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ السَّعْيِ ؟ فَإِنْ قُلْنَا: مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ السَّعْيِ. ثَبَتَ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ، هَذَا يُحَجُّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
(2217) فَصْلٌ: وَمَتَى أَحَجَّ هَذَا عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ عُوفِيَ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَجٌّ آخَرُ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّ هَذَا بَدَلُ إيَاسٍ، فَإِذَا بَرَأَ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْهُ، فَلَزِمَهُ الْأَصْلُ، كَالْآيِسَةِ إذَا اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ، ثُمَّ حَاضَتْ، لَا تُجْزِئُهَا تِلْكَ الْعِدَّةُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ، أَوْ نَقُولُ: أَدَّى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِأَمْرِ الشَّارِعِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ ثَانٍ، كَمَا لَوْ حَجَّ بِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا يُفْضِي إلَى إيجَابِ حَجَّتَيْنِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ عَلَيْهِ إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً. وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ. قُلْنَا: لَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْهُ، لَمَا أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ. أَمَّا الْآيِسَةُ إذَا اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ عَوْدُ حَيْضِهَا، فَإِنْ رَأَتْ دَمًا، فَلَيْسَ بِحَيْضٍ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ اعْتِدَادُهَا، وَلَكِنْ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، إذَا اعْتَدَّتْ سَنَةً، ثُمَّ عَادَ حَيْضُهَا، لَمْ يَبْطُلْ اعْتِدَادُهَا.
فَأَمَّا إنْ عُوفِيَ قَبْلَ فَرَاغِ النَّائِبِ مِنْ الْحَجِّ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُجْزِئَهُ الْحَجُّ ; لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ تَمَامِ الْبَدَلِ، فَلَزِمَهُ، كَالصَّغِيرَةِ وَمَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا، إذَا حَاضَتَا قَبْلَ إتْمَامِ عِدَّتِهِمَا بِالشُّهُورِ، وَكَالْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ، كَالْمُتَمَتِّعِ إذَا شَرَعَ فِي الصِّيَامِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ، وَالْمُكَفِّرِ إذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ. وَإِنْ بَرَأَ قَبْلَ إحْرَامِ النَّائِبِ، لَمْ يُجْزِئْهُ بِحَالٍ.