لَوْ لَزِمَهَا مَعَ اعْتِيَادِهِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَزْوَاجِهِ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَإِنْ شَكَّ فِي انْتِشَارِ الْخَارِجِ إلَى مَا يُوجِبُ الْغَسْلَ، لَمْ يَجِبْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَالْمُسْتَحَبُّ الْغَسْلُ احْتِيَاطًا.
(220) فَصْلٌ: وَالْأَقْلَفُ إنْ كَانَ مُرْتَتِقًا لَا تَخْرُجُ بَشَرَتُهُ مِنْ قُلْفَتِهِ فَهُوَ كَالْمُخْتَتِنِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ كَشْفُهَا كَشَفَهَا فَإِذَا بَالَ وَاسْتَجْمَرَ أَعَادَهَا فَإِنْ تَنَجَّسَتْ بِالْبَوْلِ لَزِمَهُ غَسْلُهَا كَمَا لَوْ انْتَشَرَ إلَى الْحَشَفَةِ.
(221) فَصْلٌ: وَإِنْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ وَانْفَتَحَ آخَرُ، لَمْ يُجْزِهِ الِاسْتِجْمَارُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ السَّبِيلِ الْمُعْتَادِ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ صَارَ مُعْتَادًا. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا نَادِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ النَّاسِ فَلَمْ تَثْبُتْ فِيهِ أَحْكَامُ الْفَرْجِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَسُّهُ، وَلَا يَجِبُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ حَدٌّ وَلَا مَهْرٌ وَلَا غُسْلٌ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْبَدَنِ.
(222) فَصْلٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِجْمَارِ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ طَاهِرٌ، فَإِنَّ أَحْمَدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، قَالَ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَبُولُ فَيَسْتَبْرِئُ وَيَسْتَجْمِرُ يَعْرَقُ فِي سَرَاوِيلِهِ ؟ قَالَ إذَا اسْتَجْمَرَ ثَلَاثًا فَلَا بَأْسَ. وَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ إذَا اسْتَنْجَيْت مِنْ الْغَائِطِ يُصِيبُ ذَلِكَ الْمَاءُ مَوْضِعًا مِنِّي آخَرَ ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ جَاءَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ، فَاسْتَنْجِ أَنْتَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ثُمَّ لَا تُبَالِي مَا أَصَابَك مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ.
قَالَ: وَسَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَشِّ الْمَاءِ عَلَى الْخُفِّ إذَا لَمْ يَسْتَجْمِرْ الرَّجُلُ ؟ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَغْسِلَهُ ثَلَاثًا. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ نَجِسٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فَلَوْ قَعَدَ الْمُسْتَجْمِرُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ وَلَوْ عَرِقَ كَانَ عَرَقُهُ نَجِسًا ; لِأَنَّهُ مَسْحٌ لِلنَّجَاسَةِ، فَلَمْ يَطْهُرْ بِهِ مَحَلُّهَا كَسَائِرِ الْمَسْحِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تَسْتَنْجُوا بِرَوْثٍ وَلَا عَظْمٍ، فَإِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ} فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَهُمَا يُطَهِّرُ ; وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ الِاسْتِجْمَارُ، حَتَّى إنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ أَنْكَرُوا الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ بِدْعَةً وَبِلَادُهُمْ حَارَّةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ مِنْ الْعَرَقِ، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ تَوَقِّي ذَلِكَ، وَلَا الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَلَا ذِكْرُ ذَلِكَ أَصْلًا وَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ بَالَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَنَضَحَ فَرْجَهُ مِنْ تَحْتِ ثِيَابِهِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ، وَلَوْلَا أَنَّهُمَا اعْتَقَدَا طَهَارَتَهُ مَا فَعَلَا ذَلِكَ.
(223) فَصْلٌ: إذَا اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تُرَابٍ قَالَ أَحْمَدُ يُجْزِئُهُ الْمَاءُ وَحْدَهُ.
وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ التُّرَابَ مَعَ الْمَاءِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَلَا أَمَرَ بِهِ، فَأَمَّا عَدَدُ الْغَسَلَاتِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا ; فَقَالَ، فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْمَاءِ سَبْعُ مَرَّاتٍ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ: وَلَكِنْ الْمَقْعَدَةُ يُجْزِئُ أَنْ تُمْسَحَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ يَغْسِلُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا يُجْزِئُ عِنْدِي إذَا كَانَ فِي الْجَسَدِ أَنْ يَغْسِلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْسِلُ مَقْعَدَتَهُ ثَلَاثًا} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ أَبُو دَاوُد سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ حَدِّ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ ؟ فَقَالَ يُنَقِّي.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا عَدَدَ فِيهِ إنَّمَا الْوَاجِبُ الْإِنْقَاءُ، وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ عَدَدٌ، وَلَا أَمَرَ بِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِنْقَاءِ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَهُوَ أَنْ تَذْهَبَ لُزُوجَةُ النَّجَاسَةِ وَآثَارُهَا.