فهرس الكتاب

الصفحة 895 من 3896

لِلْوُجُوبِ وَالْإِجْزَاءِ، وَهُوَ الْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِلصِّحَّةِ، فَلَوْ حَجَّ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ صَحَّ حَجُّهُمَا، وَلَمْ يُجْزِئْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فَقَطْ، وَهُوَ الِاسْتِطَاعَةُ، فَلَوْ تَجَشَّمَ غَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ الْمَشَقَّةَ، وَسَارَ بِغَيْرِ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ فَحَجَّ، كَانَ حَجُّهُ صَحِيحًا مُجْزِئًا، كَمَا لَوْ تَكَلَّفَ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامَ مَنْ يَسْقُطُ عَنْهُ، أَجْزَأَهُ.

(2199) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي شَرْطَيْنِ، وَهُمَا ; تَخْلِيَةُ الطَّرِيق، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ مَانِعٌ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ. وَإِمْكَانُ الْمَسِيرِ، وَهُوَ أَنْ تَكْمُلَ فِيهِ هَذِهِ الشَّرَائِطُ وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ. فَرُوِيَ أَنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ بِدُونِهِمَا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا فَرَضَ الْحَجَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ، وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، وَلِأَنَّ هَذَا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ فِعْلُ الْحَجِّ، فَكَانَ شَرْطًا، كَالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ.

وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَرُوِيَ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطَانِ لِلُزُومِ السَّعْيِ، فَلَوْ كَمُلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ وُجُودِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، حُجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْ أَعْسَرَ قَبْلَ وُجُودِهِمَا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُمَا ; وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ ؟. قَالَ: (الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ) . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَهَذَا لَهُ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ، وَلِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ يَمْنَعُ نَفْسَ الْأَدَاءِ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْوُجُوبَ كَالْعَضْبِ، وَلِأَنَّ إمْكَانَ الْأَدَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ مَا يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا فِيهِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ مُفَسَّرَةٌ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى تَفْسِيرِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ مَعَ فَقْدِهِمَا الْأَدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ، وَفَقْدُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجَمِيعُ، فَافْتَرَقَا.

(2200) فَصْلٌ: وَإِمْكَانُ الْمَسِيرِ مُعْتَبَرٌ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، فَلَوْ أَمْكَنَهُ الْمَسِيرُ بِأَنْ يَحْمِلَ عَلَى نَفْسِهِ وَيَسِيرَ سَيْرًا يُجَاوِزُ الْعَادَةَ، أَوْ يَعْجِزَ عَنْ تَحْصِيلِ آلَةِ السَّفَرِ، لَمْ يَلْزَمْهُ السَّعْيُ. وَتَخْلِيَةُ الطَّرِيقِ هُوَ أَنْ تَكُونَ مَسْلُوكَةً، لَا مَانِعَ فِيهَا، بَعِيدَةً كَانَتْ أَوْ قَرِيبَةً، بَرًّا كَانَ أَوْ بَحْرًا، إذَا كَانَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ، لَمْ يَلْزَمْهُ سُلُوكُهُ، فَإِنْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ عَدُوٌّ يَطْلُبُ خَفَارَةً، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُهُ السَّعْيُ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً ; لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ، فَلَا يَلْزَمُ بَذْلُهَا فِي الْعِبَادَةِ، كَالْكَبِيرَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَزِمَهُ الْحَجُّ ; لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ يَقِفُ إمْكَانُ الْحَجِّ عَلَى بَذْلِهَا، فَلَمْ يَمْنَعْ الْوُجُوبَ مَعَ إمْكَانِ بَذْلِهَا، كَثَمَنِ الْمَاءِ وَعَلَفِ الْبَهَائِمِ.

(2201) فَصْلٌ: وَالِاسْتِطَاعَةُ الْمُشْتَرَطَةُ مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ الصِّحَّةُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إنْ كَانَ شَابًّا فَلْيُؤَاجِرْ نَفْسَهُ بِأَكْلِهِ وَعَقِبِهِ، حَتَّى يَقْضِيَ نُسُكَهُ.

وَعَنْ مَالِكٍ: إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ، وَعَادَتُهُ سُؤَالُ النَّاسِ، لَزِمَهُ الْحَجُّ ; لِأَنَّ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ فِي حَقِّهِ، فَهُوَ كَوَاجِدِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت