وَلَنَا: مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ. قَالَ مَا لَك ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تَعْتِقُهَا ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ، فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ ؟ فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: خُذْ هَذَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَك} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْأَدَاءِ فِي ذَلِكَ بِالْقَضَاءِ ; لِأَنَّ الْأَدَاءَ يَتَعَلَّقُ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ يَتَعَيَّنُ بِهِ، وَالْقَضَاءُ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ، وَالصَّلَاةُ لَا يَدْخُلُ فِي جُبْرَانِهَا الْمَالُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
(2050) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ، أَنَّ الْجِمَاعَ دُونَ الْفَرْجِ، إذَا اقْتَرَنَ بِهِ الْإِنْزَالُ، فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقَ ; لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِجِمَاعٍ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِغَيْرِ جِمَاعٍ تَامٍّ، فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَلَا نَصَّ فِي وُجُوبِهَا وَلَا إجْمَاعَ وَلَا قِيَاسَ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُوجِبُهَا مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ، وَيَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ مُحَرَّمًا، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ اثْنَا عَشَرَ حُكْمًا. وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ الْجِمَاعُ بِدُونِ الْإِنْزَالِ، وَالْجِمَاعُ هَاهُنَا غَيْرُ مُوجِبٍ، فَلَمْ يَصِحَّ اعْتِبَارُهُ بِهِ.
(2051) الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ، أَنَّهُ جَامَعَ نَاسِيًا، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ كَالْعَامِدِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ، وَقَالَ: أَجْبُنُ أَنْ أَقُولَ فِيهِ شَيْئًا، وَأَنْ أَقُولَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. قَالَ: سَمِعْته غَيْرَ مَرَّةٍ لَا يَنْفُذُ لَهُ فِيهِ قَوْلٌ. وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ: كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ، لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا غَيْرُهُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ; لِأَنَّهُ مَعْنًى حَرَّمَهُ الصَّوْمُ، فَإِذَا وُجِدَ مِنْهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، لَمْ يُفْسِدْهُ ; كَالْأَكْلِ. وَكَانَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، يُوجِبُونَ الْقَضَاءَ دُونَ الْكَفَّارَةِ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لِرَفْعِ الْإِثْمِ، وَهُوَ مَحْطُوطٌ عَنْ النَّاسِي. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الَّذِي قَالَ: وَقَعْت عَلَى امْرَأَتِي. بِالْكَفَّارَةِ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ الْعَمْدِ، وَلَوْ افْتَرَقَ الْحَالُ لَسَأَلَ وَاسْتَفْصَلَ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ التَّعْلِيلُ بِمَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُ السَّائِلِ وَهُوَ الْوُقُوعُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي الصَّوْمِ، وَلِأَنَّ السُّؤَالَ كَالْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً} . فَإِنْ قِيلَ: فَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَمْدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: هَلَكْت. وَرُوِيَ: احْتَرَقْت.
قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ هَلَكَتِهِ لِمَا يَعْتَقِدُهُ فِي الْجِمَاعِ مَعَ النِّسْيَانِ مِنْ إفْسَادِ الصَّوْمِ، وَخَوْفِهِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تُحَرِّمُ الْوَطْءَ، فَاسْتَوَى فِيهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، كَالْحَجِّ، وَلِأَنَّ