فهرس الكتاب

الصفحة 826 من 3896

يُفَطِّرُ إذَا لَمْ يَجْمَعْهُ، وَإِنْ قَصَدَ ابْتِلَاعَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا جَمَعَهُ، بِخِلَافِ غُبَارِ الطَّرِيقِ، فَإِنْ خَرَجَ رِيقُهُ إلَى ثَوْبِهِ، أَوْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، أَوْ بَيْنَ شَفَتَيْهِ، ثُمَّ عَادَ فَابْتَلَعَهُ، أَوْ بَلَعَ رِيقَ غَيْرِهِ، أَفْطَرَ ; لِأَنَّهُ ابْتَلَعَهُ مِنْ غَيْرِ فَمِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَلَعَ غَيْرَهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا.} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قُلْنَا: قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ: هَذَا إسْنَادٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يُقَبِّلُ فِي الصَّوْمِ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا فِي غَيْرِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَمُصَّهُ، ثُمَّ لَا يَبْتَلِعُهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ انْفِصَالُ مَا عَلَى لِسَانِهَا مِنْ الْبَلَلِ إلَى فَمِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ حَصَاةً مَبْلُولَةً فِي فِيهِ، أَوْ لَوْ تَمَضْمَضَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَّهُ. وَلَوْ تَرَكَ فِي فَمِهِ حَصَاةً أَوْ دِرْهَمًا، فَأَخْرَجَهُ وَعَلَيْهِ بَلَّةٌ مِنْ الرِّيقِ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي فِيهِ، نَظَرْت ; فَإِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الرِّيقِ كَثِيرًا فَابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يُفْطِرْ بِابْتِلَاعِ رِيقِهِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُفْطِرُ لِابْتِلَاعِهِ ذَلِكَ الْبَلَلَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْجِسْمِ. وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ انْفِصَالُ ذَلِكَ الْبَلَلِ، وَدُخُولُهُ إلَى حَلْقِهِ، فَلَا يُفَطِّرُهُ، كَالْمَضْمَضَةِ وَالتَّسَوُّكِ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ وَالْمَبْلُولِ. وَيُقَوِّي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي مَصِّ لِسَانِهَا. وَلَوْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ وَعَلَيْهِ بَلَّةٌ، ثُمَّ عَادَ فَأَدْخَلَهُ وَابْتَلَعَ رِيقَهُ، لَمْ يُفْطِرْ.

(2023) فَصْلٌ: وَإِنْ ابْتَلَعَ النُّخَامَةَ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا، يُفْطِرُ. قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إذَا تَنَخَّمَ، ثُمَّ ازْدَرَدَهُ، فَقَدْ أَفْطَرَ. لِأَنَّ النُّخَامَةَ مِنْ الرَّأْسِ تَنْزِلُ، وَالرِّيقَ مِنْ الْفَمِ. وَلَوْ تَنَخَّعَ مِنْ جَوْفِهِ، ثُمَّ ازْدَرَدَهُ، أَفْطَرَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهَا، أَشْبَهَ الدَّمَ، وَلِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْفَمِ، أَشْبَهَ الْقَيْءَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يُفْطِرُ. قَالَ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: لَيْسَ عَلَيْك قَضَاءٌ إذَا ابْتَلَعْتَ النُّخَامَةَ وَأَنْتَ صَائِمٌ. لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ فِي الْفَمِ، غَيْرُ وَاصِلٍ مِنْ خَارِجٍ، أَشْبَهَ الرِّيقَ.

(2024) فَصْلٌ: فَإِنْ سَالَ فَمُهُ دَمًا، أَوْ خَرَجَ إلَيْهِ قَلْسٌ أَوْ قَيْءٌ، فَازْدَرَدَهُ أَفْطَرَ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا ; لِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَالْأَصْلُ حُصُولُ الْفِطْرِ بِكُلِّ وَاصِلٍ مِنْهُ، لَكِنَّ عُفِيَ عَنْ الرِّيقِ ; لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، فَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَإِنْ أَلْقَاهُ مِنْ فِيهِ، وَبَقِيَ فَمُهُ نَجِسًا، أَوْ تَنَجَّسَ فَمُهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَارِجٍ، فَابْتَلَعَ رِيقَهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ جُزْءٌ مِنْ الْمُنَجَّسِ أَفْطَرَ بِذَلِكَ الْجُزْءِ، وَإِلَّا فَلَا.

(2025) فَصْلٌ: وَلَا يُفْطِرُ بِالْمَضْمَضَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الطَّهَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْت مِنْ إنَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ ؟ قُلْت: لَا بَأْسَ. قَالَ: فَمَهْ} ؟. وَلِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْوَاصِلِ إلَيْهِ، كَالْأَنْفِ وَالْعَيْنِ. وَإِنْ تَمَضْمَضَ، أَوْ اسْتَنْشَقَ فِي الطَّهَارَةِ، فَسَبَقَ الْمَاءُ إلَى حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا إسْرَافٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُفْطِرُ ; لِأَنَّهُ أَوْصَلَ الْمَاءَ إلَى جَوْفِهِ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَأَفْطَرَ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ شُرْبَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت