فهرس الكتاب

الصفحة 823 من 3896

مَالِكٌ: إنَّ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّهُ أَفْطَرَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا.

وَلَنَا، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى جَابِرٌ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مَا فَعَلْت، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ، وَصَامَ بَعْضُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا، فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ.} رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ لَا يَعْرُجُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِمَا شَاءَ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَغَيْرِهِمَا، إلَّا الْجِمَاعَ، هَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِهِ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ فَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ ; الصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.

وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِيَةُ، يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ ; لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ فَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ ; كَالْحَاضِرِ. وَلَنَا أَنَّهُ صَوْمٌ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهِ، فَلَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ فِيهِ، كَالتَّطَوُّعِ، وَفَارَقَ الْحَاضِرَ الصَّحِيحَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي الصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فَهُوَ كَالْمُسَافِرِ، وَلِأَنَّهُ يُفْطِرُ بِنِيَّةِ الْفِطْرِ، فَيَقَعُ الْجِمَاعُ بَعْدَ حُصُولِ الْفِطْرِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ ثُمَّ جَامَعَ. وَمَتَى أَفْطَرَ الْمُسَافِرُ فَلَهُ فِعْلُ جَمِيعِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ، مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ حُرْمَتَهَا بِالصَّوْمِ، فَتَزُولُ بِزَوَالِهِ، كَمَا لَوْ زَالَ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ.

(2016) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ، كَالنَّذْرِ وَالْقَضَاءِ ; لِأَنَّ الْفِطْرَ أُبِيحَ رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يُرِدْ التَّخْفِيفَ عَنْ نَفْسِهِ، لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَصْلِ. فَإِنْ نَوَى صَوْمًا غَيْرَ رَمَضَانَ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، لَا عَنْ رَمَضَانَ، وَلَا عَنْ مَا نَوَاهُ. هَذَا الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ مَا نَوَاهُ إذَا كَانَ وَاجِبًا ; لِأَنَّهُ زَمَنٌ أُبِيحَ لَهُ فِطْرُهُ، فَكَانَ لَهُ صَوْمُهُ عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، كَغَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَلَنَا أَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرَ لِلْعُذْرِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَصُومَهُ عَنْ غَيْرِ رَمَضَانَ، كَالْمَرِيضِ، وَبِهَذَا يُنْتَقَضُ مَا ذَكَرُوهُ، وَيُنْقَضُ أَيْضًا بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ، فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوهُ. قَالَ صَالِحٌ: قِيلَ لِأَبِي: مَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَهُوَ يَنْوِي بِهِ تَطَوُّعًا، يُجْزِئُهُ ؟ قَالَ: أَوَيَفْعَلُ هَذَا مُسْلِمٌ،.

(2017) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ، أَوْ احْتَجَمَ، أَوْ اسْتَعَطَ، أَوْ أَدْخَلَ إلَى جَوْفِهِ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، أَوْ قَبَّلَ فَأَمْنَى، أَوْ أَمْذَى، أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ عَامِدًا، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ، إذَا كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا)

(2018) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ: أَحَدُهَا، أَنَّهُ يُفْطِرُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْإِجْمَاعِ، وَبِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ} مَدَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ إلَى تَبَيُّنِ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالصِّيَامِ عَنْهُمَا. وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ; يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي} .

وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْفِطْرِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِمَا يُتَغَذَّى بِهِ، فَأَمَّا مَا لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت