قَالَ: إذَا كَانَ النِّصَابَانِ زَكَوِيَّيْنِ، جَعَلْت الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ مَا الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ فِي جَعْلِهِ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ. فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَالْآخَرُ فِيهِ الزَّكَاةُ، كَرَجُلٍ عَلَيْهِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَلَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَعُرُوضٌ لِلْقُنْيَةِ تُسَاوِي مِائَتَيْنِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَجْعَلُ الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ الْعُرُوضِ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ ; لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمِائَتَيْنِ زَائِدَةٍ عَنْ مَبْلَغِ دَيْنِهِ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا، كَمَا لَوْ كَانَ جَمِيعُ مَالِهِ جِنْسًا وَاحِدًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ يَجْعَلُ الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَقْضِي مِنْهُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ عِنْدَهُ أَلْفٌ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ وَلَهُ عُرُوضٌ بِأَلْفٍ: إنْ كَانَتْ الْعُرُوض لِلتِّجَارَةِ زَكَّاهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَيُحْكَى عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، لِأَنَّ الدَّيْنَ يُقْضَى مِنْ جِنْسِهِ عِنْدَ التَّشَاحِّ، فَجَعْلُ الدَّيْنِ فِي مُقَابَلَتِهِ أَوْلَى، كَمَا لَوْ كَانَ النِّصَابَانِ زَكَوِيَّيْنِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ هَاهُنَا عَلَى مَا إذَا كَانَ الْعَرْضُ تَتَعَلَّقُ بِهِ حَاجَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ، وَلَمْ يَكُنْ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ أَهَمُّ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ، وَيَكُونُ قَوْلُ الْقَاضِي مَحْمُولًا عَلَى مَنْ كَانَ الْعَرْضُ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ ; لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ مَالِكٌ لِنِصَابٍ فَاضِلٍ عَنْ حَاجَتِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ، فَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ. فَأَمَّا إنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابَانِ زَكَوِيَّانِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا، وَلَا يُقْضَى مِنْ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّك تَجْعَلُهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ فِي جَعْلِهِ فِي مُقَابَلَتِهِ.
(1934) فَصْلٌ: فَأَمَّا دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَمْنَعُ الزَّكَاةَ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ ; لِأَنَّهُ دَيْنٌ يَجِبُ قَضَاؤُهُ، فَهُوَ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى} .
وَالْآخَرُ: لَا يَمْنَعُ ; لِأَنَّ الزَّكَاةَ آكَدُ مِنْهُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْعَيْنِ، فَهُوَ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَيُفَارِقُ دَيْنَ الْآدَمِيِّ، لِتَأَكُّدِهِ، وَتَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ. فَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمُعَيَّنٍ، فَقَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذِهِ الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إذَا حَالَ الْحَوْلُ. فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُخْرِجُهَا فِي النَّذْرِ، وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ النَّذْرَ آكَدُ لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ، وَالزَّكَاةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَلْزَمَهُ زَكَاتُهَا، وَتُجْزِئُهُ الصَّدَقَةُ بِهَا، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الزَّكَاةَ بِقَدْرِهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ صَدَقَةً تُجْزِئُهُ عَنْ الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ ; لِكَوْنِ الزَّكَاةِ صَدَقَةً، وَسَائِرُهَا يَكُونُ صَدَقَةً لِنَذْرِهِ وَلَيْسَ بِزَكَاةٍ.
وَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِبَعْضِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ قَدْرَ الزَّكَاةِ أَوْ أَكْثَرَ، فَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ يُخْرِجُ الْمَنْذُورَ، وَيَنْوِي الزَّكَاةَ بِقَدْرِهَا مِنْهُ. وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ، يَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ النَّذْرَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْبَعْضِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الزَّكَاةِ وَتَمَامِ شَرْطِهِ، فَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، لِكَوْنِ الْمَحِلِّ مُتَّسِعًا لَهُمَا جَمِيعًا. وَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الزَّكَاةِ، وَجَبَ قَدْرُ الزَّكَاةِ، وَدَخَلَ النَّذْرُ فِيهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يَجِبُ إخْرَاجُهُمَا جَمِيعًا.
(1935) فَصْلٌ: إذَا قُلْنَا: لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ. فَحَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، لَمْ يَمْلِكْ إخْرَاجَهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ. وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا بَعْدَ الْحَجْرِ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَسْقُطَ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ إمْكَانِ أَدَائِهَا، كَمَا لَوْ تَلِفَ مَالُهُ. فَإِنْ أَقَرَّ الْغُرَمَاءُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةِ. أَوْ كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِهَا قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، وَجَبَ إخْرَاجُهَا مِنْ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُخْرِجُوهَا فَعَلَيْهِمْ إثْمُهَا.