فهرس الكتاب

الصفحة 769 من 3896

رَكَزَ الرُّمْحَ، إذَا غَرَزَ أَسْفَلَهُ فِي الْأَرْضِ. وَمِنْهُ الرِّكْزُ، وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} . وَالْأَصْلُ فِي صَدَقَةِ الرِّكَازِ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ أَيْضًا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ هَذَا الْحَدِيثَ، إلَّا الْحَسَنَ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، وَأَرْضِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: فِيمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ الْخُمْسُ، وَفِيمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ الزَّكَاةُ.

(1898) فَصْلٌ: وَأَوْجَبَ الْخُمْسَ فِي الْجَمِيعِ الزُّهْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ: (1899) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، أَنَّ الرِّكَازَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْخُمْسِ مَا كَانَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ. هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ.

وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِأَنْ تُرَى عَلَيْهِ عَلَامَاتُهُمْ، كَأَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ، وَصُوَرِهِمْ وَصُلُبِهِمْ، وَصُوَرِ أَصْنَامِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ، أَوْ اسْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَحَدٌ مِنْ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ وَالٍ لَهُمْ، أَوْ آيَةٌ مِنْ قُرْآنِ أَوَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهُوَ لُقَطَةٌ ; لِأَنَّهُ مِلْكُ مُسْلِمٍ لَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ عَنْهُ. وَإِنْ كَانَ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْكُفْرِ، فَكَذَلِكَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صَارَ إلَى مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ عَنْ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشْبَهَ مَا عَلَى جَمِيعِهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ.

(1900) الْفَصْلُ الثَّانِي، فِي مَوْضِعِهِ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَجِدَهُ فِي مَوَاتٍ، أَوْ مَا لَا يُعْلَمُ لَهُ مَالِكٌ، مِثْلُ الْأَرْضِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا آثَارُ الْمُلْكِ، كَالْأَبْنِيَةِ الْقَدِيمَةِ، وَالتُّلُولِ، وَجُدْرَانِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقُبُورِهِمْ. فَهَذَا فِيهِ الْخُمْسُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَوْ وَجَدَهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِهَا، أَوْ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ قَرْيَةٍ خَرَابٍ، فَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ ; لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: {سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللُّقَطَةِ ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَلَكَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ، وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ} رَوَاهُ النَّسَائِيّ. الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يَجِدَهُ فِي مِلْكِهِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ، فَهُوَ لَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَانَ لِمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ كَالْغَنَائِمِ، وَلِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُمْلَكُ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، هُوَ لِلْمَالِكِ قَبْلَهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ فَهُوَ لِلَّذِي قَبْلَهُ كَذَلِكَ إلَى أَوَّلِ مَالِكٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ كَانَتْ يَدُهُ عَلَى الدَّارِ، فَكَانَتْ عَلَى مَا فِيهَا.

وَإِنْ انْتَقَلَتْ الدَّارُ بِالْمِيرَاثِ، حُكِمَ بِأَنَّهُ مِيرَاثٌ، فَإِنْ اتَّفَقَ الْوَرَثَةُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِمَوْرُوثِهِمْ، فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَوَّلُ مَالِكٍ، فَهُوَ كَالْمَالِ الضَّائِعِ الَّذِي لَا يُعْرَفْ لَهُ مَالِكٌ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ; لِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا وَإِنَّمَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالصَّيْدِ يَجِدُهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، فَيَأْخُذُهُ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ، لَكِنْ إنْ ادَّعَى الْمَالِكُ الَّذِي انْتَقَلَ الْمِلْكُ عَنْهُ أَنَّهُ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت