فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذِهِ تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ فِيهَا، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهَا غَانِمٌ، فَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْفَيْءِ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يَقِفَهَا الْإِمَامُ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْعَنْوَةِ إذَا وُقِفَتْ. وَمَا صَالَحَ عَلَيْهِ الْكُفَّارَ مِنْ أَرْضِهِمْ، عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَنَا، وَنُقِرُّهُمْ فِيهَا بِخُرَّاجِ، مَعْلُومٍ، فَهُوَ وَقْفٌ أَيْضًا، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَاهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَحَ خَيْبَرَ، وَصَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى أَنْ يَعْمُرُوا أَرْضَهَا، وَلَهُمْ نِصْفُ ثَمَرَتِهَا، فَكَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، وَصَالَحَ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَلَهُمْ مَا أُقِلْت الْإِبِلُ مِنْ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ، إلَّا الْحَلْقَةَ - يَعْنِي السِّلَاحَ - فَكَانَتْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ.
فَأَمَّا مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ، وَنُقِرُّهُمْ فِيهَا بِخُرَّاجِ مَعْلُومٍ. فَهَذَا الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ، تَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ، وَالْأَرْضُ لَهُمْ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الْخَرَاجَ الَّذِي ضُرِبَ عَلَيْهِمْ إنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ كُفْرِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ الْمَضْرُوبَةِ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَإِذَا أَسْلَمُوا سَقَطَ، كَمَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ، وَتَبْقَى الْأَرْضُ مِلْكًا لَهُمْ، لَاخْرَاجَّ عَلَيْهَا. وَلَوْ انْتَقَلَتْ الْأَرْضُ إلَى مُسْلِمٍ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا خَرَاجٌ لِذَلِكَ.
(1862) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ وَلَا بَيْعُهُ، فِي قَوْلَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، وَمُسْلِمِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَمْ يَزُلْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ شِرَاءِ أَرْضِ الْجِزْيَةِ، وَيَكْرَهُهُ عُلَمَاؤُهُمْ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: أَجْمَعَ رَأْيُ عُمَرَ، وَأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظَهَرُوا عَلَى الشَّامِ، عَلَى إقْرَارِ أَهْلِ الْقُرَى فِي قُرَاهُمْ، عَلَى مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَرْضِهِمْ، يَعْمُرُونَهَا، وَيُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا إلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شِرَاءُ مَا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ الْأَرْضِ طَوْعًا وَلَا كَرِهَا.
وَكَرِهُوا ذَلِكَ مِمَّا كَانَ مِنْ اتِّفَاقِ عُمَرَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْأَرْضِينَ الْمَحْبُوسَةِ عَلَى آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لَا تُبَاعُ وَلَا تُورَثُ، قُوَّةً عَلَى جِهَادِ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ بَعْدُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إذَا أَقَرَّ الْإِمَامُ أَهْلَ الْعَنْوَةِ فِي أَرْضِهِمْ، تَوَارَثُوهَا وَتَبَايَعُوهَا وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْقُرْطُبِيِّ ; لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ، ابْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى مِنْ دِهْقَانَ أَرْضًا، عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ جِزْيَتَهَا.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّفَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ} . ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَكَيْفَ بِمَالِ بِزَاذَانَ، وَبِكَذَا، وَبِكَذَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ مَالًا بِزَاذَانَ. وَلِأَنَّهَا أَرْضٌ لَهُمْ، فَجَازَ بَيْعُهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ الشِّرَاءُ أَسْهَلَ يَشْتَرِي الرَّجُلُ مَا يَكْفِيه وَيُغْنِيه عَنْ النَّاسِ، هُوَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَكَرِهَ الْبَيْعَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ. وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِي الشِّرَاءِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ اشْتَرَى، وَلَمْ يُسْمَعْ عَنْهُمْ الْبَيْعُ، وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ اسْتِخْلَاصٌ لِلْأَرْضِ، فَيَقُومُ فِيهَا مَقَامَ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَالْبَيْعُ أَخْذُ عِوَضٍ عَنْ مَا لَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ، فَلَا يَجُوزُ.
وَلَنَا: إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ