اخْتِلَافِهِ، وَعَدَمِ ضَبْطِهِ، وَلِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَتْ مَظِنَّتُهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى حَقِيقَتِهِ، كَالْحُكْمِ مَعَ الْأَسْبَابِ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ ضَابِطٍ، كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى تَعَاقُبِ الْوُجُوبِ فِي الزَّمَنِ الْوَاحِدِ مَرَّاتٍ، فَيَنْفَدَ مَالُ الْمَالِكِ.
أَمَّا الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ، فَهِيَ نَمَاءٌ فِي نَفْسِهَا، تَتَكَامَلُ عِنْدَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْهَا، فَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهَا حِينَئِذٍ، ثُمَّ تَعُودُ فِي النَّقْصِ لَا فِي النَّمَاءِ ; فَلَا تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ، لِعَدَمِ إرْصَادِهَا لِلنَّمَاءِ، وَالْخَارِجُ مِنْ الْمَعْدِنِ مُسْتَفَادٌ خَارِجٌ مِنْ الْأَرْضِ، بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ كُلِّ حَوْلٍ، لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلنَّمَاءِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَثْمَانَ قِيَمُ الْأَمْوَالِ، وَرَأْسُ مَالِ التِّجَارَاتِ، وَبِهَذَا تَحْصُلُ الْمُضَارَبَةُ وَالشَّرِكَةُ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ لِذَلِكَ، فَكَانَتْ بِأَصْلِهَا وَخِلْقَتِهَا، كَمَالِ التِّجَارَةِ الْمُعَدِّ لَهَا.
(1744) فَصْلٌ: فَإِنْ اسْتَفَادَ مَالًا مِمَّا يُعْتَبَرُ لَهُ الْحَوْلُ، وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، وَكَانَ نِصَابًا، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ جِنْسِهِ لَا يَبْلُغُ نِصَابًا، فَبَلَغَ بِالْمُسْتَفَادِ نِصَابًا، انْعَقَدَ عَلَيْهِ حَوْلُ الزَّكَاةِ مِنْ حِينَئِذٍ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلٌ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ، لَمْ يَخْلُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ نَمَائِهِ كَرِبْحِ مَالِ التِّجَارَةِ وَنَتَاجِ السَّائِمَةِ، فَهَذَا يَجِبُ ضَمُّهُ إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ أَصْلِهِ، فَيُعْتَبَرُ حَوْلُهُ بِحَوْلِهِ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ، فَأَشْبَهَ النَّمَاءَ الْمُتَّصِلَ، وَهُوَ زِيَادَةُ قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَيَشْمَلُ الْعَبْدَ وَالْجَارِيَةَ. الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ، فَهَذَا لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ، لَا يُضَمُّ إلَى مَا عِنْدَهُ فِي حَوْلٍ وَلَا نِصَابٍ، بَلْ إنْ كَانَ نِصَابًا اسْتَقْبَلَ بِهِ حَوْلًا وَزَكَّاهُ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهِ. وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ حِينَ اسْتَفَادَهُ. قَالَ أَحْمَدُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: يُزَكِّيهِ حِينَ يَسْتَفِيدُهُ. وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُعْطِينَا وَيُزَكِّيه. وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فِي مَنْ بَاعَ عَبْدَهُ أَوْ دَارِهِ، أَنَّهُ يُزَكِّي الثَّمَنَ حِينَ يَقَعُ فِي يَدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ شَهْرٌ يُعْلَمُ، فَيُؤَخِّرَهُ حَتَّى يُزَكِّيَهُ مَعَ مَالِهِ. وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ ; مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ شُذُوذٌ، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَلَا قَالَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ بَاعَ دَارِهِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ، إذَا قَبَضَ الْمَالَ يُزَكِّيهِ. وَإِنَّمَا نَرَى أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مَلَكَ الدَّرَاهِمَ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ، وَصَارَتْ دَيْنًا لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَإِذَا قَبَضَهُ زَكَّاهُ لِلْحَوْلِ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ: إذَا كَرَى دَارًا أَوْ عَبْدًا فِي سَنَةٍ بِأَلْفٍ، فَحَصَلَتْ لَهُ الدَّرَاهِمُ وَقَبَضَهَا، زَكَّاهَا إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، مِنْ حِينِ قَبَضَهَا، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمُكْتَرِي فَمِنْ يَوْمِ وَجَبَتْ لَهُ فِيهَا الزَّكَاةُ. بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ إذَا وَجَبَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، زَكَاةٌ مِنْ يَوْمِ وَجَبَ لَهُ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ، أَنْ يَسْتَفِيدَ مَالًا مِنْ جِنْسِ نِصَابٍ عِنْدَهُ، قَدْ انْعَقَدَ عَلَيْهِ حَوْلُ الزَّكَاةِ بِسَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ، مَضَى عَلَيْهَا بَعْضُ الْحَوْلِ، فَيَشْتَرِي أَوْ يَتَّهِبُ مِائَةً، فَهَذَا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَمْضِيَ عَلَيْهِ حَوْلٌ أَيْضًا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَضُمُّهُ إلَى مَا عِنْدَهُ فِي الْحَوْلِ، فَيُزَكِّيهِمَا جَمِيعًا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِ الْمَالِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عِوَضًا عَنْ مَالٍ مُزَكًّى ; لِأَنَّهُ يُضَمُّ إلَى جِنْسِهِ فِي النِّصَابِ، فَوَجَبَ ضَمُّهُ إلَيْهِ فِي