فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 3896

يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ وَالِاسْتِغَاثَةَ وَالسَّخَطَ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: إنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ إذَا دَعَوْا بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَقَفَ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي عَتَبَةِ الْبَابِ، وَقَالَ: إنْ كَانَتْ صَيْحَتُكُمْ عَلَيَّ فَإِنِّي مَأْمُورٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مَيِّتِكُمْ فَإِنَّهُ مَقْبُورٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى رَبِّكُمْ فَالْوَيْلُ لَكُمْ وَالثُّبُورُ، وَإِنَّ لِي فِيكُمْ عَوْدَاتٍ ثُمَّ عَوْدَاتٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إذَا حَضَرْتُمْ الْمَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا ; فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ} .

(1658) فَصْلٌ: وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا يُنَاحُ عَلَيْهِ} . وَفِي لَفْظٍ: {إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ} . وَرَوَى ذَلِكَ عُمَرُ وَابْنُهُ، وَالْمُغِيرَةُ، وَهِيَ أَحَادِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَاهَا، فَحَمَلَهَا قَوْمٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا ; وَقَالُوا: يَتَصَرَّفُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ، وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهْ، وَاسَنَدَاهْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، إلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَلْهَزَانِهِ: أَهَكَذَا كُنْت ؟} . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَرَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي، وَتَقُولُ: وَا جَبَلَاهْ، وَا كَذَا وَا كَذَا. تُعَدِّدُ عَلَيْهِ. فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْت لِي شَيْئًا إلَّا قِيلَ لِي: أَنْتَ كَذَلِكَ ؟ فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَمْلَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَوَافَقَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَكَرْت ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ، وَاَللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ} . وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ} . وَقَالَتْ: حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاَللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِابْنِ عُمَرَ حِينَ رَوَى حَدِيثَهُ، فَمَا قَالَ شَيْئًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلَى مَنْ كَانَ النَّوْحُ سُنَّتَهُ، وَلَمْ يَنْهَ أَهْلَهُ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} . وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ} .

وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى مَنْ أَوْصَى بِذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ، كَقَوْلِ طَرَفَةَ:

إذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ وَشِقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ

وَقَالَ آخَرُ:

مَنْ كَانَ مِنْ أُمَّهَاتِي بَاكِيًا أَبَدًا فَالْيَوْمَ إنِّي أَرَانِي الْيَوْمَ مَقْبُوضًا

يُسْمِعْنَنِيهِ فَإِنِّي غَيْرُ سَامِعِهِ إذَا جُعِلْت عَلَى الْأَعْنَاقِ مَعْرُوضًا

وَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الْبُكَاءِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْبُكَاءِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ، وَهُوَ الَّذِي مَعَهُ نَدْبٌ وَنِيَاحَةٌ وَنَحْوُ هَذَا، بِدَلِيلِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ.

(1659) فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي لِلْمُصَابِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَيَتَعَزَّى بِعَزَائِهِ، وَيَمْتَثِلَ أَمْرَهُ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، وَيَتَنَجَّزَ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ الصَّابِرِينَ، حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: {وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت