فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 3896

بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَتَقْضِي الْآيَةُ حُصُولَ الْإِجْزَاءِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ ; وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى النِّيَّةِ كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ.

وَلَنَا: مَا رَوَى عُمَرُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُ عَمَلٌ شَرْعِيٌّ بِدُونِ النِّيَّةِ ; وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ، فَلَمْ تَصِحَّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَالْآيَةُ حُجَّةٌ لَنَا ; فَإِنَّ قَوْلَهُ {: إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} . أَيْ: لِلصَّلَاةِ، كَمَا يُقَالُ: إذَا لَقِيت الْأَمِيرَ فَتَرَجَّلْ. أَيْ: لَهُ وَإِذَا رَأَيْت الْأَسَدَ فَاحْذَرْ. أَيْ: مِنْهُ، وَقَوْلُهُمْ: ذَكَرَ كُلَّ الشَّرَائِطِ.

قُلْنَا: إنَّمَا ذَكَرَ أَرْكَانَ الْوُضُوءِ، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرْطَهُ كَآيَةِ التَّيَمُّمِ. وَقَوْلُهُمْ: مُقْتَضَى الْأَمْرِ حُصُولُ الْإِجْزَاءِ. قُلْنَا: بَلْ مُقْتَضَاهُ وُجُوبُ الْفِعْلِ، وَهُوَ وَاجِبٌ. فَاشْتُرِطَ لِصِحَّتِهِ شَرْطٌ آخَرُ، بِدَلِيلِ التَّيَمُّمِ وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا طَهَارَةٌ. قُلْنَا: إلَّا أَنَّهَا عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مَنْوِيَّةً ; لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَطَاعَةٌ لَهُ، وَامْتِثَالٌ لِأَمْرِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ.

(144) فَصْلٌ: وَمَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ ; إذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَصْدِ، وَمَحَلُّ الْقَصْدِ الْقَلْبُ، فَمَتَى اعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِلِسَانِهِ وَإِنْ لَمْ تَخْطِرْ النِّيَّةُ بِقَلْبِهِ لَمْ يُجْزِهِ. وَلَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى غَيْرِ مَا اعْتَقَدَهُ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّةَ مَا اعْتَقَدَهُ بِقَلْبِهِ.

(145) فَصْلٌ: وَصِفَتُهَا أَنْ يَقْصِدَ بِطَهَارَتِهِ اسْتِبَاحَةَ شَيْءٍ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِهَا، كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَيَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ، وَمَعْنَاهُ إزَالَةُ الْمَانِعِ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ وَافَقَنَا عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا. فَإِنْ نَوَى بِالطَّهَارَةِ مَا لَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ ; كَالتَّبَرُّدِ وَالْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَنْوِ الطَّهَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ، لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الطَّهَارَةَ، وَلَا مَا يَتَضَمَّنُ نِيَّتَهَا، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيْءٌ، كَاَلَّذِي لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا.

وَإِنْ نَوَى تَجْدِيدَ الطَّهَارَةِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا، فَهَلْ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَا نَوَاهُ، وَلِلْخَبَرِ، وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ. وَالثَّانِيَةُ لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَا مَا تَضَمَّنَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى التَّبَرُّدَ. وَإِنْ نَوَى مَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ وَلَا تُشْتَرَطُ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذَانِ وَالنَّوْمِ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَصْلُهُمَا، إذَا نَوَى تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ وَهُوَ مُحْدِثٌ، وَالْأَوْلَى صِحَّةُ طَهَارَتِهِ ; لِأَنَّهُ نَوَى شَيْئًا مِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ الْفَضِيلَةُ الْحَاصِلَةُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ، فَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ، كَمَا لَوْ نَوَى بِهَا مَا لَا يُبَاحُ إلَّا بِهَا ; وَلِأَنَّهُ نَوَى طَهَارَةً شَرْعِيَّةً، فَصَحَّتْ لِلْخَبَرِ.

فَإِنْ قِيلَ: يَبْطُلُ هَذَا بِمَا لَوْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ مَا لَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ. قُلْنَا: إنْ نَوَى طَهَارَةً شَرْعِيَّةً، مِثْلُ إنْ قَصَدَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ طَهَارَةً شَرْعِيَّةً، أَوْ قَصَدَ أَنْ لَا يَزَالَ عَلَى وُضُوءٍ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا، وَتَصِحُّ طَهَارَتُهُ. وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ نَظَافَةَ أَعْضَائِهِ مِنْ وَسَخٍ أَوْ طِينٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهَا، وَإِنْ نَوَى وُضُوءًا مُطْلَقًا أَوْ طَهَارَةً، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا صِحَّتُهُ ; لِأَنَّ الْوُضُوءَ وَالطَّهَارَةَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إطْلَاقُهُمَا إلَى الْمَشْرُوعِ، فَيَكُونُ نَاوِيًا لَوُضُوءٍ شَرْعِيٍّ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا ; لِأَنَّهُ قَصَدَ مَا يُبَاحُ بِدُونِ الطَّهَارَةِ، أَشْبَهَ قَاصِدَ الْأَكْلِ، وَالطَّهَارَةُ تَنْقَسِمُ إلَى مَا هُوَ مَشْرُوعٌ وَإِلَى غَيْرِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ مَعَ التَّرَدُّدِ. وَإِنْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَتَبْرِيدَ أَعْضَائِهِ، صَحَّتْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت