فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 3896

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ ; لِيُسْمِعَ النَّاسَ. قَالَ جَابِرٌ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ} . وَيُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ الْخُطْبَةِ ; لِمَا رَوَى عَمَّارٌ، قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ} . وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: {كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا} ، رَوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا مُسْلِمٌ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُطِيلُ الْمَوْعِظَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إنَّمَا هِيَ كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى قَوْسٍ، أَوْ سَيْفٍ، أَوْ عَصًا ; لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ حَزْنٍ الْكُلَفِيُّ قَالَ: {وَفَدْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَمْنَا أَيَّامًا شَهِدْنَا فِيهَا الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ كَلِمَاتٍ طَيِّبَاتٍ خَفِيفَاتٍ مُبَارَكَاتٍ.} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَعْوَنُ لَهُ ; فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَكِّنَ أَطْرَافَهُ، إمَّا أَنْ يَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، أَوْ يُرْسِلَهُمَا سَاكِنَتَيْنِ مَعَ جَنْبَيْهِ.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَمْدِ قَبْلَ الْمَوْعِظَةِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ، ثُمَّ يُثْنِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَعِظُ.

فَإِنْ عَكَسَ ذَلِكَ صَحَّ ; لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي خُطْبَتِهِ مُتَرَسِّلًا، مُبِينًا، مُعْرِبًا، لَا يُعَجِّلْ فِيهَا، وَلَا يَمْطُطْهَا، وَأَنْ يَكُونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَّعِظًا بِمَا يَعِظُ النَّاسَ بِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {عُرِضَ عَلَيَّ قَوْمٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقِيلَ لِي: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ.}

(1305) فَصْلٌ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْحَجِّ عَلَى الْمِنْبَرِ، أَيُجْزِئُهُ ؟ قَالَ: لَا. لَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَخْطُبُونَ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ: لَا تَكُونُ الْخُطْبَةُ إلَّا كَمَا خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ خُطْبَةً تَامَّةً، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى خُطْبَةً، وَلَا يَجْمَعُ شُرُوطَهَا. وَإِنْ قَرَأَ آيَاتٍ فِيهَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَوْعِظَةُ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحَّ ; لِاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ.

(1306) فَصْلٌ: وَإِنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ شَاءَ نَزَلَ فَسَجَدَ، وَإِنْ أَمْكَنَ السُّجُودُ عَلَى الْمِنْبَرِ، سَجَدَ عَلَيْهِ. وَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ، فَلَا حَرَجَ، فَعَلَهُ عُمَرُ وَتَرَكَ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَتَرَكَ عُثْمَانُ، وَأَبُو مُوسَى، وَعَمَّارٌ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ.

وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ; لِأَنَّ السُّجُودَ عِنْدَهُمْ وَاجِبٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْزِلُ ; لِأَنَّهُ صَلَاةُ تَطَوُّعٍ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهَا فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، كَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ.

وَلَنَا، فِعْلُ عُمَرَ وَتَرْكُهُ، وَفِعْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُ سُنَّةٌ وُجِدَ سَبَبُهَا، لَا يَطُولُ الْفَصْلُ بِهَا، فَاسْتُحِبَّ فِعْلُهَا، كَحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا عَطَسَ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ. وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ ; لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ.

وَيُفَارِقُ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ، لِأَنَّ سَبَبَهَا لَمْ يُوجَدْ، وَيَطُولُ الْفَصْلُ بِهَا.

(1307) فَصْلٌ: وَالْمُوَالَاةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْخُطْبَةِ فَإِنْ فَصَلَ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ، بِكَلَامٍ طَوِيلٍ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ، أَوْ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ، اسْتَأْنَفَهَا. وَالْمَرْجِعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعَادَةِ. وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت