الْمُقَارَنَةُ، فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا كَثِيرًا، بَطَلَ الْجَمْعُ، سَوَاءٌ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِنَوْمٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ شُغْلٍ أَوْ قَصْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يَثْبُتُ الْمَشْرُوطُ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَمْنَعْ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَالْمَرْجِعُ فِي الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، لَا حَدَّ لَهُ سِوَى ذَلِكَ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ، لِأَنَّ مَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِهِ لَا سَبِيلَ إلَى تَقْدِيرِهِ، وَالْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، كَالْإِحْرَازِ وَالْقَبْضِ، وَمَتَى احْتَاجَ إلَى الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، فَعَلَهُ إذَا لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ، لَمْ يَبْطُلْ الْجَمْعُ، وَإِنْ صَلَّى بَيْنَهُمَا السُّنَّةَ، بَطَلَ الْجَمْعُ، لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ فَبَطَلَ الْجَمْعُ، كَمَا لَوْ صَلَّى بَيْنَهُمَا غَيْرَهَا. وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ ; لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَضَّأَ.
وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، جَازَ التَّفْرِيقُ ; لِأَنَّهُ مَتَى صَلَّى الْأُولَى فَالثَّانِيَةُ فِي وَقْتِهَا، لَا تَخْرُجُ بِتَأْخِيرِهَا عَنْ كَوْنِهَا مُؤَدَّاةً. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ الْمُتَابَعَةَ مُشْتَرَطَةٌ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ حَقِيقَتُهُ ضَمُّ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ، وَلَا يَحْصُلُ مَعَ التَّفْرِيقِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ الْأَوْلَى بَعْدَ وُقُوعِهَا صَحِيحَةً لَا تَبْطُلُ بِشَيْءٍ يُوجَدُ بَعْدَهَا، وَالثَّانِيَةُ لَا تَقَعُ إلَّا فِي وَقْتِهَا.
(1266) فَصْلٌ: وَمَتَى جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُعْتُبِرَ وُجُودُ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ حَالَ افْتِتَاحِ الْأُولَى وَالْفَرَاغِ مِنْهَا وَافْتِتَاحِ الثَّانِيَةِ، فَمَتَى زَالَ الْعُذْرُ فِي أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يُبَحْ الْجَمْعُ.
وَإِنْ زَالَ الْمَطَرُ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى، ثُمَّ عَادَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، أَوْ انْقَطَعَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ، جَازَ الْجَمْعُ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ انْقِطَاعُهُ ; لِأَنَّ الْعُذْرَ وُجِدَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى، وَفِي وَقْتِ الْجَمْعِ، وَهُوَ آخِرُ الْأُولَى وَأَوَّلُ الثَّانِيَةِ، فَلَمْ يَضُرَّ عَدَمُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْمُسَافِرُ إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الْأُولَى، انْقَطَعَ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ، وَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ. وَلَوْ عَادَ فَنَوَى السَّفَرَ، لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّرَخُّصُ حَتَّى يُفَارِقَ الْبَلَدَ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ، أَوْ دَخَلَتْ بِهِ السَّفِينَةُ بَلَدَهُ فِي أَثْنَائِهَا، احْتَمَلَ أَنْ يُتِمَّهَا، وَيَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى انْقِطَاعِ الْمَطَرِ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْقَلِبَ نَفْلًا، وَيَبْطُلَ الْجَمْعُ ; لِأَنَّهُ أَحَدُ رُخَصِ السَّفَرِ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ، كَالْقَصْرِ وَالْمَسْحِ، وَلِأَنَّهُ زَالَ شَرْطُهَا فِي أَثْنَائِهَا، أَشْبَهَ بِسَائِرِ شُرُوطِهَا. وَيُفَارِقُ انْقِطَاعَ الْمَطَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ انْقِطَاعُهُ ; لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالثَّانِي أَنْ يَخْلُفَهُ عُذْرٌ مُبِيحٌ، وَهُوَ الْوَحْلُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمَرِيضِ يَبْرَأُ وَيَزُولُ عُذْرُهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ. فَأَمَّا إنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ اُعْتُبِرَ بَقَاءُ الْعُذْرِ إلَى حِينِ دُخُولِ وَقْتِهَا، فَإِنْ زَالَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، كَالْمَرِيضِ يَبْرَأُ، وَالْمُسَافِرِ يَقْدَمُ، وَالْمَطَرِ يَنْقَطِعُ، لَمْ يُبَحْ الْجَمْعُ ; لِزَوَالِ سَبَبِهِ. وَإِنْ اسْتَمَرَّ إلَى حِينِ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، جَمَعَ، وَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ ; لِأَنَّهُمَا صَارَتَا وَاجِبَتَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلِهِمَا.
(1267) فَصْلٌ: وَإِنْ أَتَمَّ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أَجْزَأَتْهُ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِهَا ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَقَعَتْ صَحِيحَةً مُجْزِيَةً عَنْ مَا فِي ذِمَّتِهِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا، فَلَمْ تَشْتَغِلْ الذِّمَّةُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ حَالَ الْعُذْرِ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِزَوَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ.
(1268) فَصْلٌ: وَإِذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سُنَّةَ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا، وَيُوتِرُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ ;