بِالْجَمْعِ، وَعَمَلٌ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا.
(1253) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا فِي سَفَرٍ يُبِيحُ الْقَصْرَ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَجُوزُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ ; لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، وَهُوَ سَفَرٌ قَصِيرٌ. وَلَنَا، أَنَّهُ رُخْصَةٌ تَثْبُتُ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ، فَاخْتَصَّتْ بِالطَّوِيلِ، كَالْقَصْرِ وَالْمَسْحِ ثَلَاثًا ; وَلِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ لِلْعِبَادَةِ عَنْ وَقْتِهَا، فَأَشْبَهَ الْفِطْرَ، وَلِأَنَّ دَلِيلَ الْجَمْعِ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفِعْلُ لَا صِيغَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا إلَّا فِي مِثْلِهَا، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ جَمَعَ إلَّا فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ.
(1254) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الْجَمْعُ لِأَجْلِ الْمَطَرِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَفَعَلَهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَرُوِيَ عَنْ مَرْوَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَلَمْ (يُجَوِّزْهُ) أَصْحَابُ الرَّأْيِ. فَصْلٌ: وَلَنَا، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ: إنَّ مِنْ السُّنَّةِ إذَا كَانَ يَوْمٌ مَطِيرٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ نَافِعٌ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَجْمَعُ إذَا جَمَعَ الْأُمَرَاءُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: رَأَيْتُ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ ; الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَيُصَلِّيَهُمَا مَعَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ،، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَا يُنْكِرُونَهُ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ
(1255) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ. قَالَ: الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْمَطَرِ ؟ قَالَ: لَا، مَا سَمِعْت. وَهَذَا (اخْتِيَارُ) أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ حَامِدٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: فِيهِ (قَوْلَانِ،) أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، (وَمَذْهَبُ) الشَّافِعِيِّ، لِمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فِي الْمَدِينَةِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْمَطَرِ} . وَلِأَنَّهُ (مَعْنًى) أَبَاحَ الْجَمْعَ، فَأَبَاحَهُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، كَالسَّفَرِ. وَلَنَا، أَنَّ مُسْتَنَدَ الْجَمْعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ (أَبِي سَلَمَةَ) ، وَالْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يَرِدْ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَحَدِيثُهُمْ غَيْرُ صَحِيحٍ ; فَإِنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ: مَا سَمِعْتُ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ; لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْمَشَقَّةِ لِأَجْلِ الظُّلْمَةِ وَالْمَضَرَّةِ، وَلَا الْقِيَاسُ عَلَى السَّفَرِ ; لِأَنَّ مَشَقَّتَهُ لِأَجْلِ السَّيْرِ وَفَوَاتِ الرُّفْقَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هَاهُنَا.
(1256) فَصْلٌ: وَالْمَطَرُ الْمُبِيحُ لِلْجَمْعِ هُوَ مَا (يَبُلُّ) الثِّيَابَ، وَتَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ بِالْخُرُوجِ فِيهِ. وَأَمَّا الطَّلُّ، وَالْمَطَرُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَا يَبُلُّ الثِّيَابَ، فَلَا يُبِيحُ، وَالثَّلْجُ كَالْمَطَرِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَكَذَلِكَ الْبَرَدُ.
(1257) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْوَحْلُ بِمُجَرَّدِهِ. فَقَالَ الْقَاضِي: قَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ عُذْرٌ ; لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَلْحَقُ بِذَلِكَ فِي النِّعَالِ وَالثِّيَابِ، كَمَا تَلْحَقُ بِالْمَطَرِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ وَجْهًا ثَانِيًا، أَنَّهُ لَا يُبِيحُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّ مَشَقَّتَهُ دُونَ مَشَقَّةِ الْمَطَرِ، فَإِنَّ الْمَطَرَ يَبُلُّ النِّعَالَ وَالثِّيَابَ، وَالْوَحْلُ لَا يَبُلُّهَا، فَلَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ