رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمْ الطُّرُقُ، وَوَدِدْت أَنَّ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَّا الشَّافِعِيَّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، قَالَ: الْإِتْمَامُ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَعَدَدًا، وَهُوَ الْأَصْلُ، فَكَانَ أَفْضَلَ، كَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ. وَلَنَا، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى الْقَصْرِ} ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: {صَحِبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْت أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْت عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِثْلُ ذَلِكَ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {خِيَارُكُمْ مَنْ قَصَرَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فِيمَا مَضَى، وَلِأَنَّهُ إذَا قَصَرَ أَدَّى الْفَرْضَ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِذْ أَتَمَّ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَأَمَّا الْغَسْلُ فَلَا نُسَلِّمُ لَهُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْحِ، وَالْفِطْرُ نَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ.
(1251) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْجَمْعِ، فَرُوِيَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّفْرِيقِ ; لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَخْفِيفًا وَسُهُولَةً، فَكَانَ أَفْضَلَ كَالْقَصْرِ. وَعَنْهُ التَّفْرِيقُ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ، فَكَانَ أَفْضَلَ كَالْقَصْرِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ أَفْضَلَ لَأَدَامَهُ كَالْقَصْرِ.
(1252) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى مُسَافِرٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَحِلَ، صَلَّاهَا وَارْتَحَلَ، فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ صَلَّاهَا، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ الْآخِرَةُ، وَإِنْ كَانَ سَائِرًا فَأَحَبَّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَجَائِزٌ)
.جُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ، فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا، جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعْدٌ، وَأُسَامَةُ، وَمُعَاذُ بْن جَبَلٍ، وَأَبُو مُوسَى، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ. وَبِهِ قَالَ: طَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَرُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانِ بْنِ أَخِي زُرَيْقِ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: مَرَّ بِنَا نَائِلَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَأَشْيَاخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَتَيْنَاهُمْ فِي مَنْزِلِهِمْ، وَقَدْ أَخَذُوا فِي الرَّحِيلِ، فَصَلَّوْا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ، فَإِذَا زُرَيْقُ بْنُ حَكِيمٍ يُصَلِّي لِلنَّاسِ الظُّهْرَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، وَلَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ بِهَا، وَهَذَا رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِك وَاخْتِيَارُهُ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ تَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِخَبَرِ وَاحِدٍ.
وَلَنَا، مَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَيَقُولُ: {إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا.} وَعَنْ أَنَسٌ، قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ، صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَلِمُسْلِمِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ.} وَرَوَى الْجَمْعَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَنَذْكُرُ أَحَادِيثَهُمَا