فَصْلٌ: وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ، أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى عِوَضٍ مَجْهُولٍ، أَوْ عِوَضٍ حَالٍّ، أَوْ مُحَرَّمٍ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ. فَأَمَّا إنْ شَرَطَ فِي الْكِتَابَةِ شَرْطًا فَاسِدًا، فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُهَا لَكِنْ يَلْغُو الشَّرْطُ، وَتَبْقَى الْكِتَابَةُ صَحِيحَةً. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُفْسِدَهَا ; بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ عَلَى الْعِوَضِ الْمُحَرَّمِ بَاطِلَةٌ، لَا يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ فِيهَا. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ; فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَاتَبَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً، فَأَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ، عَتَقَ، مَا لَمْ تَكُنْ الْكِتَابَةُ مُحَرَّمَةً. فَحَكَمَ بِالْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ إلَّا فِي الْمُحَرَّمَةِ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ، كَسَائِرِ الْكِتَابَاتِ الْفَاسِدَةِ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْقَاضِي عَلَى مَا إذَا جَعَلَ السَّيِّدُ الْأَدَاءَ شَرْطًا لِلْعِتْقِ، فَقَالَ: إذَا أَدَّيْت إلَيَّ، فَأَنْتَ حُرٌّ. فَأَدَّى إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِالصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ، لَا بِالْكِتَابَةِ، وَيَثْبُتُ فِي هَذِهِ الْكِتَابَةِ حُكْمُ الصِّفَةِ فِي الْعِتْقِ بِوُجُودِهَا، لَا بِحُكْمِ الْكِتَابَةِ. وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، فَإِنَّهَا تُسَاوِي الصَّحِيحَةَ فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ ; أَحَدُهَا، أَنَّهُ يَعْتِقُ بِأَدَاءِ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ صَرَّحَ بِالصِّفَةِ، فَقَالَ: إنَّ أَدَّيْت إلَيَّ، فَأَنْتَ حُرٌّ. أَوْ لَمْ يَقُلْ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكِتَابَةِ يَقْتَضِي هَذَا، فَيَصِيرُ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ، فَيَعْتِقُ بِوُجُودِهِ، كَالْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ. الثَّانِي، أَنَّهُ إذَا عَتَقَ بِالْأَدَاءِ، لَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا أَعْطَاهُ. ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَتَرَاجَعَانِ، فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ قِيمَتُهُ، وَعَلَى السَّيِّدِ مَا أَخَذَهُ، فَيَتَقَاصَّانِ بِقَدْرِ أَقَلِّهِمَا، إنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَيَأْخُذُ ذُو الْفَضْلِ فَضْلَهُ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَاسِدَةٍ، فَوَجَبَ التَّرَاجُعُ فِيهِ، كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ. وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدُ كِتَابَةٍ لِمُعَاوَضَةٍ حَصَلَ الْعِتْقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ، فَلَمْ يَجِبْ التَّرَاجُعُ فِيهَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا، وَلِأَنَّ مَا أَخَذَهُ السَّيِّدُ فَهُوَ مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ، الَّذِي لَمْ يَمْلِكْ كَسْبَهُ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ رَدُّهُ، وَالْعَبْدُ عَتَقَ بِالصِّفَةِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فَأَنْتَ حُرٌّ. وَأَمَّا الْبَيْع الْفَاسِدُ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ سَيِّدِهِ، فَلَا رُجُوعَ عَلَى السَّيِّدِ بِمَا أَخَذَهُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ أَخَذَ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَدَفَعَ إلَى الْآخَرِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، بِعَقْدِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ الْمُعَاوَضَةُ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا بِخِلَافِهِ. الثَّالِثُ، أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي كَسْبِهِ ; لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ فِي ذَلِكَ، وَلَهُ أَخْذُ الصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ ; لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ، فَمَلَكَ ذَلِكَ كَمَا فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ. الرَّابِعُ، أَنَّهُ إذَا كَاتَبَ جَمَاعَةً كِتَابَةً فَاسِدَةً، فَأَدَّى أَحَدُهُمْ، حِصَّتَهُ عَتَقَ. عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَعْتِقُ فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ بِأَدَاءِ حِصَّتِهِ. لِأَنَّ مَعْنَى الْعَقْدِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَاتَبٌ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، مَتَى أَدَّى إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْرَ حِصَّتِهِ، فَهُوَ حُرٌّ.
وَمَنْ قَالَ: لَا يَعْتِقُ فِي الصَّحِيحَةِ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْجَمِيعَ. فَهَاهُنَا أُولَى. وَتُفَارِقُ الصَّحِيحَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ ; أَحَدُهَا،