أَنَّهُ صَحِيحٌ. وَخَرَّجَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَجْهًا، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي ضَمَانِ الْحُرِّ لِمَالِ الْكِتَابَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ فَاسِدَانِ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ فَاسِدٌ، وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ بِدُونِهِ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ إنَّمَا رَضِيَ بِالْعَقْدِ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ، لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِالْعَقْدِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ صَحِيحَانِ ; لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ عِنْدَهُمَا. وَلَنَا، أَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَلَا مَآلُهُ إلَى اللُّزُومِ، فَلَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ جَعَلَ الْمَالَ صِفَةً مُجَرَّدَةً فِي الْعِتْقِ، فَقَالَ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا، فَأَنْتَ حُرٌّ. وَلِأَنَّ الضَّامِنَ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ، وَمَالُ الْكِتَابَةِ لَا يَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ، فَلَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ تَبَرُّعٌ، وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ التَّبَرُّعُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الضَّمَانَ عَنْ حُرٍّ، وَلَا عَمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ، فَكَذَلِكَ مَنْ مَعَهُ. وَأَمَّا الْعَقْد فَصَحِيحٌ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَفْسُدُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ ; بِدَلِيلِ خَبَرِ بَرِيرَةَ، وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (8834)
فَصْلٌ: إذَا مَاتَ بَعْضُ الْمُكَاتَبِينَ، سَقَطَ قَدْرُ حِصَّتِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ. وَكَذَلِكَ إنْ أُعْتِقَ بَعْضُهُمْ. وَعَنْ مَالِكٍ إنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ أَحَدَهُمْ وَكَانَ مُكْتَسِبًا، لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ ; لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْبَاقِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْتَسِبًا، نَفَذَ عِتْقُهُ ; لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ.
(8835) فَصْلٌ: فَإِنْ أَدَّى أَحَدُ الْمُكَاتَبِينَ عَنْ صَاحِبِهِ، أَوْ عَنْ مُكَاتَبٍ آخَرَ، قَبْلَ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ، بِغَيْرِ عِلْمِ سَيِّدِهِ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ هَذَا تَبَرُّعٌ، وَلَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ، صُرِفَ ذَلِكَ فِيهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ. وَإِنْ عَلَمِ السَّيِّدُ بِذَلِكَ، وَرَضِيَ بِقَبْضِهِ عَنْ الْآخَرِ، صَحَّ ; لِأَنَّ قَبْضَهُ لَهُ رَاضِيًا بِهِ مَعَ الْعِلْمِ، دَلِيلٌ عَلَى الْإِذْنِ فِيهِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ تَصْرِيحًا. وَإِنْ كَانَ الْأَدَاءُ بَعْدَ أَنْ عَتَقَ، صَحَّ، سَوَاءٌ عَلِمَ السَّيِّدُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. فَإِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ، نَظَرْنَا ; فَإِنْ كَانَ قَدْ قَصَدَ التَّبَرُّعَ عَلَيْهِ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ، وَإِنْ أَدَّاهُ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْأَدَاءُ بِإِذْنِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، فَهُوَ قَرْضٌ، يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ كَمَا لَوْ اقْتَرَضَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ عَلَيْهِ بِأَدَاءِ مَا لَا يَلْزَمُهُ كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ عَنْهُ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ، وَبِهَذَا فَارَقَ سَائِرَ الدُّيُونِ.
وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، وَطَلَبَ اسْتِيفَاءَهُ، قُدِّمَ عَلَى أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ. وَإِذَا عَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الدُّيُونِ. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
(8836) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْحُرِّ لِمَالِ الْكِتَابَةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ; إحْدَاهُمَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ ; لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي مُعَاوَضَةٍ، فَصَحَّ ضَمَانُهُ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ. وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الثَّمَنِ ; لِأَنَّهُ لَازِمٌ، وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ.
(8837) فَصْلٌ: وَإِذَا أَدَّوْا مَا عَلَيْهِمْ، أَوْ بَعْضَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ: أَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ