أَحَدُهُمَا لَرَجُلٍ، وَبَاعَ الْآخَرُ لِغَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ، لِوَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ. فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَالثَّانِي، أَنَّ الْوَلَدَ تَابِعٌ لِأُمِّهِ، وَلَهَا كَسْبُهُ، وَعَلَيْهَا نَفَقَتُهُ، وَصَارَ فِي مَعْنَى مَمْلُوكِهَا، فَلَمْ يَجُزْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ إذَا كَانَ بَالِغًا ; لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلْبَيْعِ، صَدَرَ فِيهِ التَّصَرُّفُ مِنْ أَهْلِهِ، وَيَكُونُ عِنْدَ مَنْ هُوَ عِنْدَهُ، عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ بَيْعِهِ، لَهَا كَسْبُهُ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهَا نَفَقَتُهُ، وَيَعْتِقُ بِعِتْقِهَا، كَمَا لَوْ بِيعَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(8801) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِالْمُكَاتَبِ لَرَجُلٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ أَحْمَدُ الْوَصِيَّةُ بِهِ جَائِزَةٌ ; لِأَنَّهُ يَرَى بَيْعَهُ، وَكَذَلِكَ هِبَتَهُ، وَيَقُومُ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مَقَامَ مُكَاتِبِهِ فِي الْأَدَاءِ إلَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ، عَادَ إلَيْهِ رَقِيقًا لَهُ قِنًّا، وَإِنْ عَتَقَ، فَالْوَلَاءُ لَهُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ، فَإِنْ عَجَزَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، لَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ ; لِأَنَّ رِقَّهُ لَا يُنَافِي الْوَصِيَّةَ. وَإِنْ أَدَّى وَعَتَقَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ. وَمَنْ مَنَعَ بَيْعَ الْمُكَاتَبِ، مَنَعَ الْوَصِيَّةَ فِيهِ، وَهِبَتَهُ. فَإِنْ قَالَ: إنْ عَجَزَ وَرَقَّ، فَهُوَ لَك بَعْدَ مَوْتِي. صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ، إذَا عَجَزَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَإِنْ عَجَزَ بَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ بَطَلَ بِمَوْتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي. فَلَمْ يَدْخُلْهَا حَتَّى مَاتَ سَيِّدُهُ. وَإِنْ قَالَ: إنْ عَجَزْت بَعْدَ مَوْتِي، فَهُوَ لَك. فَهَذَا تَعْلِيقٌ لِلْوَصِيَّةِ عَلَى صِفَةٍ، تُوجَدُ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي صِحَّتِهَا وَجْهَيْنِ.
(8802) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِكِتَابَتِهِ لِرَجُلٍ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ; لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِمَا لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ، كَمَا تَصِحُّ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ فِي الْحَالِ ; مِنْ ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ، وَحَمْلِ جَارِيَتِهِ. وَلِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَالَ عِنْدَ حُلُولِهِ، وَلَهُ أَنْ يُبْرِئَ مِنْهُ ; فَإِذَا اسْتَوْفَاهُ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، عَتَقَ الْمُكَاتَبُ، وَالْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ ; لِأَنَّهُ الْمُنْعِمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، فَأَرَادَ الْوَارِثُ تَعْجِيزَهُ، وَأَرَادَ الْمُوصَى لَهُ إنْظَارَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ ; لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ فِي الْمَالِ مَا دَامَ الْعَقْدُ قَائِمًا، وَحَقُّ الْوَارِثِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، إذَا عَجَزَهُ يَرُدُّهُ فِي الرِّقِّ، وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ إبْطَالُ حَقِّ الْوَارِثِ مِنْ تَعْجِيزِهِ. وَإِنْ أَرَادَ الْوَارِثُ إنْظَارَهُ، وَأَرَادَ الْمُوصَى لَهُ تَعْجِيزَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ; لِأَنَّ الْحَقَّ فِي التَّعْجِيزِ وَالْفَسْخِ لِلْوَارِثِ، وَلَا حَقَّ لِلْمُوصَى لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا بَيْعَ ; لِأَنَّ حَقَّهُ يَسْقُطُ بِهِ. وَمَتَى عَجَزَ، عَادَ عَبْدًا لِلْوَرَثَةِ.
وَإِنْ وَصَّى لَرَجُلٍ بِمَا تَعَجَّلَهُ الْمُكَاتَبُ، صَحَّ ; لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ بِصِفَةٍ، فَإِنْ عَجَّلَ شَيْئًا، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَجِّلْ شَيْئًا حَتَّى حَلَّتْ نُجُومُهُ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ.
(8803) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِمَالِ الْكِتَابَةِ لَرَجُلٍ، وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ، صَحَّتْ الْوَصِيَّتَانِ ; فَإِنْ أَدَّى إلَى صَاحِبِ الْمَالِ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، عَتَقَ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَتَبْطُلُ وَصِيَّةُ صَاحِبِ الرَّقَبَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ، وَيَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ ; لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الرَّقَبَةِ، وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهَا لَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ، فَإِذَا وَصَّى بِهَا كَانَ الْوَلَاءُ لِمَنْ وَصَّى لَهُ بِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى لَهُ بِالْمُكَاتَبِ مُطْلَقًا، لَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا وَصَّى بِرَقَبَتِهِ ; لِأَنَّ الْوَلَاءَ يُسْتَفَادُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِالرَّقَبَةِ دُونَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ. وَإِنْ عَجَزَ، فَسَخَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ كِتَابَتَهُ، وَكَانَ رَقِيقًا لَهُ، وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ. وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ قَدْ قَبَضَ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا، فَهُوَ لَهُ. وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي فَسْخِ الْكِتَابَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ