السَّيِّدُ ; لِيُؤَدِّيَ مَالَ الْكِتَابَةِ، أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَهُ فِي أَوَّلِ حَالِ الْإِمْكَانِ عِنْدَ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ - إنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَّا مَعَهَا - لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ، وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ حَالِ الْإِمْكَانِ وَمَضَى زَمَنُ الْمَسِيرِ، ثَبَتَ لِلسَّيِّدِ خِيَارُ الْفَسْخِ. فَإِنْ وَكَّلَ السَّيِّدُ فِي بَلَدِ الْمُكَاتَبِ مَنْ يَقْبِضُ مِنْهُ مَالَ الْكِتَابَةِ، لَزِمَهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ. فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الدَّفْعِ ثَبَتَ لِلسَّيِّدِ خِيَارُ الْفَسْخِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلَ لِلْوَكِيلِ الْفَسْخَ عِنْدَ امْتِنَاعِ الْمُكَاتَبِ مِنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ، جَازَ، وَلَهُ الْفَسْخُ إذَا ثَبَتَتْ وَكَالَتُهُ بِبَيِّنَةٍ بِحَيْثُ يَأْمَنُ الْمُكَاتَبُ إنْكَارَ السَّيِّدِ وَكَالَتَهُ. وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الْمُكَاتَبَ الدَّفْعُ إلَيْهِ، وَكَانَ لَهُ عُذْرٌ يَمْنَعُ جَوَازَ الْفَسْخِ ; لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ فَيُنْكِرَ السَّيِّدُ وَكَالَتَهُ وَيَرْجِعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِالْمَالِ، وَسَوَاءٌ صَدَّقَهُ فِي أَنَّهُ وَكِيلٌ أَوْ كَذَّبَهُ.
وَإِنْ كَتَبَ حَاكِمُ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ السَّيِّدُ إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُكَاتَبُ ; لِيَقْبِضَ مِنْهُ الْمَالَ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ هَذَا تَوْكِيلٌ لَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الدُّخُولُ فِيهِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يُكَلَّفُ الْقَبْضَ لِلْبَالِغِ الرَّشِيدِ فَإِنْ اخْتَارَ الْقَبْضَ جَرَى مَجْرَى الْوَكِيلِ، وَمَتَى قَبَضَ مِنْهُ الْمَالَ عَتَقَ.
(8772) فَصْلٌ: قَالَ وَإِذَا دَفَعَ الْعِوَضَ فِي الْكِتَابَةِ فَبَانَ مُسْتَحِقًّا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ، وَكَانَ هَذَا الدَّفْعُ كَعَدَمِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ لَهُ: إنْ أَدَّيْتَ الْآنَ وَإِلَّا فُسِخَتْ كِتَابَتُكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ بَعْدَ الْأَدَاءِ فَقَدْ مَاتَ عَبْدًا، فَإِنْ بَانَ مَعِيبًا مِثْلُ أَنْ كَاتَبَهُ عَلَى عُرُوضٍ مَوْصُوفَةٍ فَقَبَضَهَا فَأَصَابَ بِهَا عَيْبًا بَعْدَ قَبْضِهَا نُظِرَتْ، فَإِنْ كَانَ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ وَأَمْسَكَهَا اسْتَقَرَّ الْعِتْقُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِرُّ الْعِتْقُ وَلَمْ يُعْطِهِ جَمِيعَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ؟ فَإِنَّ مَا يُقَابِلُ الْعَيْبَ لَمْ يَقْبِضْهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى عَشَرَةٍ فَأَعْطَاهُ تِسْعَةً، قُلْنَا: إمْسَاكُهُ الْمَعِيبَ رَاضِيًا بِهِ رِضًى مِنْهُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فَجَرَى مَجْرَى إبْرَائِهِ مِنْ بَقِيَّةِ كِتَابَتِهِ. وَإِنْ اخْتَارَ إمْسَاكَهُ وَأَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ أَوْ رَدَّهُ فَلَهُ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْعِتْقُ وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ وَلَهُ الْأَرْشُ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ إتْلَافٌ وَاسْتِهْلَاكٌ، فَإِذَا حُكِمَ بِوُقُوعِهِ لَمْ يَبْطُلْ كَعَقْدِ الْخُلْعِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالَ فَأَشْبَهَ الْخُلْعَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَوَجَّهُ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ وَيُحْكَمُ بِارْتِفَاعِ الْعِتْقِ الْوَاقِعِ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا اسْتَقَرَّ بِاسْتِقْرَارِ الْأَدَاءِ وَقَدْ ارْتَفَعَ الْأَدَاءُ فَارْتَفَعَ الْعِتْقُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالتَّرَاضِي فَوَجَبَ أَنْ يُفْسَخَ بِوُجُودِ الْعَيْبِ كَالْبَيْعِ، وَإِنْ اخْتَارَ إمْسَاكَهُ وَأَخْذَ الْأَرْشِ فَلَهُ ذَلِكَ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَقَعْ، وَلِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ ذِمَّتَهُ لَمْ تَبْرَأْ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ وَلَا يَعْتِقُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَظَنُّ وُقُوعِ الْعِتْقِ لَا يُوقِعُهُ إذَا بَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ كَمَا لَوْ بَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا.
وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ عِنْدَ السَّيِّدِ أَوْ حَدَثَ بِهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ اسْتَقَرَّ أَرْشُ الْعَيْبِ، وَالْحُكْمُ فِي ارْتِفَاعِ الْعِتْقِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.
وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إنْ أَعْطَيْتَنِي عَبْدًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَأَعْطَاهُ عَبْدًا فَبَانَ حُرًّا أَوْ مُسْتَحِقًّا لَمْ يَعْتِقْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ: إنْ أَعْطَيْتَهُ مِلْكًا وَلَمْ يُعْطِهِ إيَّاهُ مِلْكًا وَلَمْ يُمَلِّكْهُ إيَّاهُ.
(8773) فَصْلٌ: وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ مَالَ الْكِتَابَةِ ظَاهِرًا فَقَالَ لَهُ السَّيِّدُ: أَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَعْتِقْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الْإِخْبَارُ عَمَّا حَصَلَ لَهُ بِالْأَدَاءِ، فَلَوْ ادَّعَى الْمُكَاتَبُ أَنَّ سَيِّدَهُ قَصَدَ بِذَلِكَ عِتْقَهُ وَأَنْكَرَ