فهرس الكتاب

الصفحة 3817 من 3896

عَبْدًا، وَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْفَتْوَى مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ، إلَّا أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ أَدَاءِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْكِتَابَةِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُمَا، فَإِنَّهُ يَمُوتُ حُرًّا، فِي مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ حُرٌّ، انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَمْلُوكٌ فِي كِتَابَتِهِ، أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ كُلِّهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، أُجْبِرَ عَلَى الِاكْتِسَابِ وَالْأَدَاءِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى.

وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إذَا أَصَابَ الْمُكَاتَبُ حَدًّا، أَوْ مِيرَاثًا، وَرِثَ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَيُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِحِصَّةِ مَا أَدَّى} . وَعَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَالنَّخَعِيِّ: إذَا أَدَّى الشَّطْرَ، فَلَا رِقَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذَا أَدَّى قَدْرَ قِيمَتِهِ، فَهُوَ غَرِيمٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا الْجَوَابَ عَنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا فِيمَا تَقَدَّمَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(8720) فَصْلٌ: وَلَا تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ بِالْجُنُونِ ; لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَمْ تَنْفَسِخْ بِالْجُنُونِ، كَالرَّهْنِ، وَفَارَقَ الْمَوْتُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْعَيْنِ، وَالْمَوْتُ يُفَوِّتُ الْعَيْنَ، بِخِلَافِ الْجُنُونِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْكِتَابَةِ الْعِتْقُ، وَالْمَوْتُ يُنَافِيهِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ عِتْقُ الْمَيِّتِ، وَالْجُنُونُ لَا يُنَافِيهِ ; بِدَلِيلِ صِحَّةِ عِتْقِ الْمَجْنُونِ. فَعَلَى هَذَا، إنْ أَدَّى إلَيْهِ الْمَالَ، عَتَقَ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا قَبَضَ مِنْهُ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَخْذُ الْمَالِ مِنْ يَدِهِ، فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ بَرَاءَتَهُ مِنْ الْمَالِ، فَيَعْتِقُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ، كَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُحْضِرَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَتَثْبُتُ الْكِتَابَةُ بِالْبَيِّنَةِ، فَيَبْحَثُ الْحَاكِمُ عَنْ مَالِهِ، فَإِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا، سَلَّمَهُ فِي الْكِتَابَةِ، وَعَتَقَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا جَعَلَ، لَهُ أَنْ يُعَجِّزَهُ، وَيُلْزِمَهُ الْإِنْقَاقَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عَادَ قِنًّا، ثُمَّ إنْ وَجَدَ لَهُ الْحَاكِمُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالًا يَفِي بِمَالِ الْكِتَابَةِ، أَبْطَلَ فَسْخَ السَّيِّدِ ; لِأَنَّ الْبَاطِنَ بَانَ بِخِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ، فَبَطَلَ حُكْمُهُ، كَمَا إذَا أَخْطَأَ النَّصَّ وَحَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ، إلَّا أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى السَّيِّدِ مَا أَنْفَقَهُ مِنْ حِينِ الْفَسْخِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ.

وَإِنْ أَفَاقَ، فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالَ الْكِتَابَةِ، بَطَلَ أَيْضًا فَسْخُ السَّيِّدِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَنْفَقَهُ ; لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِحُرِّيَّتِهِ، فَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحْلِفَ السَّيِّدَ الْحَاكِمُ، أَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى مَالَ الْكِتَابَةِ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ حَسَنٌ ; لِأَنَّهُ اسْتَوْفَاهُ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَيَدَّعِيهِ، فَيَقُومُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِي اسْتِحْلَافِهِ عَلَيْهِ.

(8721) فَصْلٌ: وَقَتْلُ الْمُكَاتِبِ كَمَوْتِهِ فِي انْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ السَّيِّدَ أَوْ الْأَجْنَبِيَّ. وَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلِهِ الْحُرِّ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ سَيِّدَهُ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ، وَعَادَ مَا فِي يَدِهِ إلَى سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْقَاتِلُ لَا يَسْتَحِقُّ بِالْقَتْلِ شَيْئًا مِنْ تَرِكَةِ الْمَقْتُولِ. قُلْنَا: هَاهُنَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مَالُ الْمُكَاتَبِ مِيرَاثًا، بَلْ بِحُكْمِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، لِزَوَالِ الْكِتَابَةِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ الْقَاتِلُ الْمِيرَاثَ خَاصَّةً، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، إذَا قَتَلَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، حَلَّ دَيْنُهُ ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَتَقَتْ. وَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ قَدْ خَلَفَ وَفَاءً، وَقُلْنَا: إنَّ الْكِتَابَةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت