بَعْضِهِ، وَإِنَّمَا إذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَفَعَلَ بَعْضَهُ، حَنِثَ، فِي رِوَايَةٍ، فِي مَوْضِعٍ يَحْتَمِلُ إرَادَةَ الْبَعْضِ، وَيَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، كَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا يَصُومُ فَشَرَعَ فِي الصَّوْمِ، أَوْ لَا يَشْرَبُ مَاءَ هَذَا الْإِنَاءِ فَشَرِبَ بَعْضَهُ. وَنَحْوَ هَذَا ; لِأَنَّ الشَّارِعَ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ قَدْ صَلَّى وَصَامَ ذَلِكَ الْجُزْءَ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ، وَالْقَدْرُ الَّذِي شَرِبَهُ مِنْ الْإِنَاءِ هُوَ مَاءُ الْإِنَاءِ، وَقَرِينَةُ حَالِهِ تَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ الْكُلِّ، فَتَقْتَضِي الِامْتِنَاعَ مِنْ الْكُلِّ، وَمَتَى فَعَلَ الْبَعْضَ، فَمَا امْتَنَعَ مِنْ الْكُلِّ، فَحَنِثَ لِذَلِكَ. وَلَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ، لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا، تَعْلِيقُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى أَدَاءِ الْأَلْفِ، يَقْتَضِي وُجُودَ أَدَائِهَا، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهَا دُون أَدَائِهَا، كَمَنْ حَلَفَ لَيُؤَدِّيَنَّ أَلْفًا، لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا.
الْخَامِسُ، أَنَّ مَوْضُوعَ الشَّرْطِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْمَشْرُوطُ بِدُونِ شَرْطِهِ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ} فَلَوْ قَالَ بَعْضَهَا مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ إلَّا الْعُقُوبَةَ. وَقَالَ: {مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً، فَهِيَ لَهُ} فَلَوْ شَرَعَ فِي الْإِحْيَاءِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ. وَلَوْ قَالَ فِي الْمُسَابَقَةِ: مَنْ سَبَقَ إلَى خَمْسِ إصَابَاتٍ، فَهُوَ سَابِقٌ. فَسَبَقَ إلَى أَرْبَعٍ، لَمْ يَكُنْ سَابِقًا. وَلَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي، فَلَهُ دِينَارٌ. فَشَرَعَ فِي رَدِّهَا، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا. فَكَيْفَ يُخَالِفُ مَوْضُوعَاتِ الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي جَاءَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْأَيْمَانِ، فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا فَفَعَلَ بَعْضَهُ يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى التَّرْكِ يُقْصَدُ بِهَا الْمَنْعُ، فَنَزَلَتْ مَنْزِلَةَ النَّهْيِ، وَالنَّهْيُ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ بَعْضِهِ بِخِلَافِ تَعْلِيقِ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقَسَم الثَّانِي، صِفَةٌ جَمَعَتْ مُعَاوَضَةً، وَصِفَةٌ الْمُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ، وَهِيَ الْكِتَابَةُ الصَّحِيحَةُ، فَهِيَ مُسَاوِيَةٌ لِلصِّفَةِ الْمَحْضَةِ فِي الْعِتْقِ بِوُجُودِهَا، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ نَفْسِهِ، وَأَنَّ الْوَلَاءَ لِسَيِّدِهِ، وَتُخَالِفُهَا فِي أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأْهُ السَّيِّدُ مِنْ الْمَالِ مِنْهُ وَعَتَقَ ; لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ بِهِ فَبَرِئَ مِنْهُ بِإِبْرَائِهِ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَلَا بَيْعِ الْمُكَاتَبِ، وَلَا هِبَتِهِ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَازِمٌ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَمَا كَسَبَهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ فَهُوَ لَهُ، وَمَا فَضَلَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْأَدَاءِ فَهُوَ لَهُ، وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ فِي الْكِتَابَةِ يَعْتِقُونَ بِعِتْقِهَا.
الْقَسَمُ الثَّالِثُ، صِفَةٌ فِيهَا مُعَاوَضَةٌ، وَالْمُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ، وَهِيَ الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ، نَحْوُ الْكِتَابَةُ عَلَى مَجْهُولٍ، أَوْ نَجْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ مَعَ إخْلَالِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْكِتَابَةِ، فَتَسَاوَى الصِّفَةُ الْمَحْضَةُ وَالْكِتَابَةُ فِي أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ ; لِأَنَّهُ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ، وَلَا تَلْزَمُهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ، وَلَا يَبْطُلُ بِجُنُونِ الْمُكَاتَبِ، وَلَا الْحَجْرِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْحَجْرَ لِلرِّقِّ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ كِتَابَتِهِ، فَلَا يَقْتَضِي حُدُوثُهُ إبْطَالَهَا. وَإِنْ أَدَّى حَالَ جُنُونِهِ، عَتَقَ ; لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَعْتِقُ بِذَلِكَ، وَيُفَارِقهُمَا فِي أَنَّ لِلسَّيِّدِ فَسْخَهَا وَرَفْعَهَا ; لِأَنَّهَا فَاسِدَةٌ، وَالْفَاسِدُ يُشْرَعُ رَفْعُهُ وَإِزَالَتُهُ، وَيُفَارِقُ الْكِتَابَةَ الصَّحِيحَةَ، فِي أَنَّهَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَجُنُونِهِ وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ جِهَتِهِ، فَبَطَلَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ كَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ إذَا وَسْوَسَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَبْطُلُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ كِتَابَةٍ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِذَلِكَ، كَالصَّحِيحَةِ، وَتُفَارِقُ