الْجَامِعِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ لِأَنَّ مَا عُفِيَ عَنْهُ بِالنِّسْيَانِ اسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَالْأَكْلِ فِي الصِّيَامِ. وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَلَنَا: أَنَّ دَلَالَةَ أَحَادِيثِ الْمَنْعِ مِنْ الْكَلَامِ عَامَّةٌ تُرِكَتْ فِي الْيَسِيرِ بِمَا وَرَدَ فِيهِ الْأَخْبَارِ، فَتَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْكَثِيرِ عَلَى الْيَسِيرِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَقَدْ عُفِيَ عَنْهُ فِي الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْكَثِيرِ
(937) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إلَّا الْإِمَامَ خَاصَّةً ; فَإِنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَمَنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ أَنَّهُ قَدْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ فَلْيَأْتِ بِرَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ مِنْ صَلَاتِهِ يَظُنُّ أَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ، ثُمَّ تَكَلَّمَ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهُنَّ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفْسُدُ إذَا كَانَ الْكَلَامُ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ مِثْلُ الْكَلَامِ فِي بَيَانِ الصَّلَاةِ مِثْلُ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ تَكَلَّمُوا، ثُمَّ بَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، وَلَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ، وَمَذْهَبُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ; لِعُمُومِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ لَا تَفْسُدُ - لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إمَامًا، فَتَكَلَّمَ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ -، وَصَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا تَفْسُدُ ; فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُمْ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِأَنَّهُمَا تَكَلَّمَا مُجِيبَيْنِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجَابَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمَا، وَلَا بِذِي الْيَدَيْنِ، لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ سَائِلًا عَنْ نَقْصِ الصَّلَاةِ، فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهَا، وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي زَمَانِنَا وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَاخْتُصَّ هَذَا بِالْكَلَامِ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي شَأْنِهَا، فَاخْتُصَّتْ إبَاحَةُ الْكَلَامِ بِوُرُودِ النَّصِّ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ، دُونَ غَيْرِهِ، فَيَمْتَنِعُ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ سَلَامٍ، وَلَا ظَنَّ التَّمَامَ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ ; إمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثَ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ ; لِعُمُومِ لَفْظِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلْإِمَامِ وَقَدْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْعَصْرِ: إنَّهَا الْعَصْرُ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ تَطَرَّقَهُ حَالٌ يَحْتَاجُ إلَى الْكَلَامِ فِيهَا، وَهُوَ مَا لَوْ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ فِي رَكْعَةٍ فَذَكَرَهَا فِي الثَّانِيَةِ، فَقَدْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يُبْدِلَهَا بِرَكْعَةٍ هِيَ فِي ظَنِّ الْمَأْمُومِينَ خَامِسَةٌ لَيْسَ لَهُمْ مُوَافَقَتُهُ فِيهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى إعْلَامِهِمْ بِغَيْرِ الْكَلَامِ وَقَدْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى السُّؤَالِ، فَلِذَلِكَ أُبِيحَ لَهُ الْكَلَامُ.
وَلَمْ أَعْلَمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ صَحَابَتِهِ وَلَا عَنْ الْإِمَامِ نَصًّا فِي الْكَلَامِ فِي غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي سَلَّمَ فِيهَا مُعْتَقِدًا تَمَامَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَقِيَاسُ الْكَلَامِ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ عَالِمًا بِهَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ مُمْتَنِعٌ ; لِأَنَّ هَذِهِ حَالُ نِسْيَانٍ، غَيْرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ مِنْ الْكَلَامِ فِيهَا، وَهِيَ أَيْضًا حَالٌ يَتَطَرَّقُ الْجَهْلُ إلَى صَاحِبِهَا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِيهَا، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ مَا يُفَارِقُهَا فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ عَلَيْهَا، وَلَا نَصَّ فِيهَا، وَإِذَا عُدِمَ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ وَالْإِجْمَاعُ، امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ إثْبَاتَهُ يَكُونُ ابْتِدَاءَ حُكْمٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ.