فهرس الكتاب

الصفحة 3767 من 3896

فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى مَيِّتٍ بِعِتْقِ عَبْدٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، فَحَكَمَ حَاكِمٌ بِشَهَادَتِهِمَا، وَعَتَقَ الْعَبْدُ، ثُمَّ شَهِدَ آخَرَانِ بِعِتْقِ آخَرَ، هُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَوَّلَانِ عَنْ الشَّهَادَةِ، نَظَرْنَا فِي تَارِيخِ شَهَادَتِهِمَا ; فَإِنْ كَانَتْ سَابِقَةً وَلَمْ تُكَذِّبْ الْوَرَثَةُ رُجُوعَهُمَا، عَتَقَ الْأَوَّلُ، وَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُمَا، وَلَمْ يَغْرَمَا شَيْئًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمَا شِرَاءُ الثَّانِي وَإِعْتَاقُهُ ; لِأَنَّهُمَا مَنَعَا عِتْقَهُ بِشَهَادَتِهِمَا الْمَرْجُوعِ عَنْهَا. وَإِنْ صَدَّقُوهُمَا فِي رُجُوعِهِمَا، وَكَذَّبُوهُمَا فِي شَهَادَتِهِمَا، عَتَقَ الثَّانِي، وَرَجَعُوا عَلَيْهِمَا بِقِيمَةِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُمَا فَوَّتَا رِقَّهُ عَلَيْهِمْ بِشَهَادَتِهِمْ الْمَرْجُوعِ عَنْهَا ; وَإِنْ كَانَ تَارِيخُهَا مُتَأَخِّرًا عَنْ الشَّهَادَةِ الْأُخْرَى، بَطَلَ عِتْقُ الْمَحْكُومِ لَهُ بِعِتْقِهِ ; لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ أَعْتَقَ ثُلُثَ مَالِهِ قَبْلَ إعْتَاقِهِ، وَلَمْ يَغْرَمْ الشَّاهِدَانِ شَيْئًا ; لِأَنَّهُمَا مَا فَوَّتَا شَيْئًا.

وَإِنْ كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ إحْدَاهُمَا، أَوْ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا، أُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ; فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الثَّانِي، عَتَقَ، وَبَطَلَ عِتْقُ الْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَاقٍ عَلَى الرِّقِّ. وَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْأَوَّلِ، عَتَقَ، وَنَظَرْنَا فِي الْوَرَثَةِ، فَإِنْ كَذَّبُوا الشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا، عَتَقَ الثَّانِي، وَرَجَعُوا عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِقِيمَةِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُمَا فَوَّتَا رِقَّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ كَذَّبُوهُمَا فِي رُجُوعِهِمَا، لَمْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِعِتْقِ الْمَحْكُومِ بِعِتْقِهِ.

(8610) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ، فَأَعْتَقَهُمْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، أَوْ دَبَّرَهُمْ، أَوْ دَبَّرَ أَحَدَهُمْ، وَأَوْصَى بِعِتْقِ الْآخَرَيْنِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ إلَّا وَاحِدٌ ; لِتَسَاوِي قِيمَتِهِمْ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ، فَمَنْ وَقَعَ لَهُمْ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ، عَتَقَ دُونَ صَاحِبَيْهِ)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعِتْقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، وَالتَّدْبِيرَ، وَالْوَصِيَّةَ بِالْعِتْقِ، يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُجِزْ مِنْ عِتْقِ الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ فِي مَرَضِهِ، إلَّا ثُلُثَهُمْ. وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالٍ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ، فَإِنْ أَعْتَقَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، لَمْ يَجُزْ إلَّا الثُّلُثُ.

فَإِنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا فِي مَرَضِهِ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثُّلُثَ. وَإِنْ وَقَعَ الْعِتْقُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يَخْرُجُوا مِنْ الثُّلُثِ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأُخْرِجَ الثُّلُثُ بِالْقُرْعَةِ. وَمَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْعِتْقُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ. وَأَمَّا إنْ دَبَّرَهُمْ، اسْتَوَى الْمُقَدَّمُ وَالْمُؤَخَّرُ مِنْهُمْ ; لِأَنَّ التَّدْبِيرَ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، وَهُوَ الْمَوْتُ، وَالشَّرْطُ إذَا وُجِدَ ثَبَتَ الْمَشْرُوطُ بِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ، يَسْتَوِي هُوَ وَالتَّدْبِيرُ ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ عِتْقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَمَتَى أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدْ مُتَسَاوِينَ فِي الْقِيمَةِ، هُمْ جَمِيعُ مَالِهِ، دُفْعَةً وَاحِدَةً، أَوْ دَبَّرَهُمْ، أَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِمْ، أَوْ دَبَّرَ بَعْضَهُمْ وَوَصَّى بِعِتْقِ بَاقِيهِمْ، وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ، عَتَقَ وَرَقَّ صَاحِبَاهُ. وَبِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَدَاوُد، وَابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ، وَيُسْتَسْعَى فِي بَاقِيهِ. وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَشُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَحَمَّادٍ لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَيَتَسَاوُونَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، كَمَا لَوْ كَانَ يَمْلِكُ ثُلُثَهُمْ وَحْدَهُ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، أَوْ كَمَا لَوْ وَصَّى بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَرَجُلٍ. وَأَنْكَرَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ الْقُرْعَةَ، وَقَالُوا: هِيَ مِنْ الْقِمَارِ وَحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَلَعَلَّهُمْ يَرُدُّونَ الْخَبَرَ الْوَارِدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ; لِمُخَالَفَتِهِ قِيَاسَ الْأُصُولِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت