فهرس الكتاب

الصفحة 3746 من 3896

فَإِنْ كَانَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، أَخَذَ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، تَحَرَّى، وَاجْتَهَدَ فِي تَقْوِيمِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ، وَمِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْمُرْتَهَنِ: يَرْكَبُ وَيَحْلُبُ، بِقَدْرِ مَا يُنْفِقُ، وَالْمَرْأَةُ تَأْخُذُ مُؤْنَتَهَا، وَبَائِعُ السِّلْعَةِ يَأْخُذُهَا مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ بِغَيْرِ رِضًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِخْلَاصِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ، فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَقَدَرَ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ. وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ فِي مَالِهِ إذَا أَفْلَسَ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ إنْ كَانَ عَيْنًا، أَوْ وَرِقًا، أَوْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ عَرَضًا، لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ أَخْذَ الْعَرَضِ عَنْ حَقِّهِ اعْتِيَاضٌ، وَلَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ إلَّا بِرِضًى مِنْ الْمُتَعَاوِضَيْنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} . وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ الْأَخْذَ بِحَدِيثِ {هِنْدٍ، حِينَ جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي. فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِذَا جَازَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، جَازَ لِلرَّجُلِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ عَلَى الرَّجُلِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مِنْ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَمَتَى أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَقَدْ خَانَهُ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئِ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ} . وَلِأَنَّهُ إنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ، كَانَ مُعَاوَضَةً بِغَيْرِ تَرَاضٍ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، فَلَيْسَ لَهُ تَعْيِينُ الْحَقِّ بِغَيْرِ رِضَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّ التَّعْيِينَ إلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ: اقْضِنِي حَقِّي مِنْ هَذَا الْكِيسِ دُونَ هَذَا. وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ دَيْنٌ، لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ إذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ، كَمَا لَوْ كَانَ بَاذِلًا لَهُ. فَأَمَّا حَدِيثُ هِنْدٍ، فَإِنَّ أَحْمَدَ اعْتَذَرَ عَنْهُ بِأَنَّ حَقَّهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَهَذَا إشَارَةٌ مِنْهُ إلَى الْفَرْقِ بِالْمَشَقَّةِ فِي الْمُحَاكَمَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالْمُخَاصَمَةِ كُلَّ يَوْمٍ تَجِبُ فِيهِ النَّفَقَةُ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ، وَفَرَّقَ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَهُمَا بِفَرْقٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ قِيَامَ الزَّوْجِيَّةِ كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ، فَكَأَنَّ الْحَقَّ صَارَ مَعْلُومًا بِعِلْمِ قِيَامِ مُقْتَضِيه، وَبَيْنَهُمَا فَرْقَانِ آخَرَانِ ; أَحَدُهُمَا، أَنَّ لِلْمَرْأَةِ مِنْ التَّبَسُّطِ فِي مَالِهِ، بِحُكْمِ الْعَادَةِ مَا يُؤَثِّرُ فِي إبَاحَةِ أَخْذِ الْحَقِّ وَبَذْلِ الْيَدِ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ. الثَّانِي، أَنَّ النَّفَقَةَ تُرَادُ لِإِحْيَاءِ النَّفْسِ، وَإِبْقَاءِ الْمُهْجَةِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُصْبَرُ عَنْهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِهِ، فَجَازَ أَخْذُ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ هَذِهِ الْحَاجَةُ، بِخِلَافِ، الدَّيْنِ، حَتَّى نَقُولَ: لَوْ صَارَتْ النَّفَقَةُ مَاضِيَةً، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَخْذُهَا.

وَلَوْ وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ دَيْنٌ آخَرُ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَخْذُهُ. فَعَلَى هَذَا، إنْ أَخَذَ شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، وَجَبَ مِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ، تَقَاصَّا، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، لَزِمَهُ غُرْمُهُ، وَمَنْ جَوَّزَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْأَخْذَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ وَجَدَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَلَيْسَ لَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت