الْوَلَاءَ ثَبَتَ عَنْ عِوَضٍ، وَالْأُخُوَّةُ بِخِلَافِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ. صَحَّ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ إلَّا الْوَلَاءُ ؟ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ بِعِوَضٍ، كَانَ أَقْوَى مِنْ النَّسَبِ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا النَّسَبَ فِي الْمِيرَاثِ لِقُرْبِهِ، لَا لِقُوَّتِهِ، كَمَا نُقَدِّمُ ذَوِي الْفُرُوضِ عَلَى الْعَصَبَةِ مَعَ قُرْبِهِمْ. (8556)
فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَا مُخْتَلِفَيْ الدِّينِ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَوَارَثَا ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ مِنْهُمَا فَيَرِثَ ; وَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّا بِالنَّسَبِ فِي حَالِ رِقِّهِمَا، لَمْ يَثْبُتْ لِاحْتِمَالِ التَّوَارُثِ بِالْعِتْقِ. وَإِنْ وُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنٌ مِنْ حُرَّةٍ، فَأَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، احْتَمَلَ أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهُ ; لِأَنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ ; لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِقَبُولِهِ، وَانْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ. وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ ; لِأَنَّهُ يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُ الْأُصُولِ، فَالْفُرُوعُ أَوْلَى فَإِنْ قُلْنَا: يُقْبَلُ إقْرَارُهُمَا. فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِأَبِي الْآخَرِ أَنَّهُ عَمُّهُ، لَمْ يَثْبُتْ الْإِقْرَارُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنَّهُ ابْنُ أَخِيهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَوَرِثَ عَمُّهُ دُونُ مَوْلَاهُ الْمُعْتِقِ لَهُ.
وَهَلْ يَثْبُتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَمِّ فَيَرِثُ ابْنَ أَخِيهِ ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ ; لِانْتِفَاءِ الْوَلَاءِ عَنْ ابْنِ الْأَخِ فَلَا تُفْضِي صِحَّةُ الْإِقْرَارِ إلَى إسْقَاطِ الْوَلَاءِ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْآخَرِ.
(8557) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ فِي الْبَيْتِ، فَافْتَرَقَا، أَوْ مَاتَا، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي الْبَيْتِ أَنَّهُ لَهُ، أَوْ وَرِثَهُ، حُكِمَ بِمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ لِلرَّجُلِ، وَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ لِلْمَرْأَةِ، وَمَا كَانَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ، أَوْ فِي بَعْضِهِ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: جَمِيعُهُ لِي. أَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هَذِهِ الْعَيْنُ لِي، وَكَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، ثَبَتَ لَهُ، بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ ; مِنْ الْعَمَائِمِ، وَقُمْصَانِهِمْ، وَجِبَابِهِمْ، وَالْأَقْبِيَةِ، وَالطَّيَالِسَةِ، وَالسِّلَاحِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ مَعَ يَمِينِهِ، وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ ; كَحُلِيِّهِنَّ، وَقُمُصِهِنَّ، وَمَقَانِعِهِنَّ، وَمَغَازِلِهِنَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينِهَا. وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا ; كَالْمَفَارِشِ، وَالْأَوَانِي، فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، أَوْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا، أَوْ اخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَرَثَةُ الْآخَرِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ; مِنْهُمْ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ، فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ، أَوْ يَمُوتُ، فَتَدَّعِي الْمَرْأَةُ الْمَتَاعَ: فَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ، فَهُوَ لِلرَّجُلِ، وَمَا كَانَ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ، فَهُوَ لِلنِّسَاءِ، وَمَا اسْتَقَامَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ كَانَ الْمَتَاعُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِمَا، فَمَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، دُفِعَ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، حَلَفَ وَأُعْطِيَ الْمَتَاعَ. وَقَالَ، فِي رِوَايَةِ مِهَنًا: وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا، وَأَحَدُهُمَا مَمْلُوكٌ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَتْ أَيْدِيهِمَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، أَمَّا مَا كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ، فَهُوَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا، قُسِمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ يَصْلُحُ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، إلَّا أَنَّهُمَا قَالَا: مَا يَصْلُحُ لَهُمَا وَيَدُهُمَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ