فهرس الكتاب

الصفحة 3713 من 3896

دُونَ مَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ: هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعَةِ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ دَعْوَاهَا النِّكَاحَ كَدَعْوَى الزَّوْجِ، فِيمَا ذَكَرْنَا، مِنْ الْكَشْفِ عَنْ سَبَبِ النِّكَاحِ، وَشَرَائِطِ الْعَقْدِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ.

(8499) فَصْلٌ: فَأَمَّا سَائِرُ الْعُقُودِ غَيْرُ النِّكَاحِ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَغَيْرِهَا، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى الْكَشْفِ، وَذِكْرِ الشُّرُوطِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهَا لَا يُحْتَاطُ لَهَا وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى الْكَشْفِ، كَدَعْوَى الْعَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً أَوْ غَيْرَهَا ; لِأَنَّهَا مَبِيعٌ، فَأَشْبَهَتْ الْجَارِيَةَ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا أَوْ دَيْنًا، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ السَّبَبِ ; لِأَنَّ أَسْبَابَ ذَلِكَ تَكْثُرُ وَلَا تَنْحَصِرُ، وَرُبَّمَا خَفِيَ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ، فَلَا يُكَلَّفُ بَيَانَهُ، وَيَكْفِيه أَنْ يَقُولَ: أَسْتَحِقُّ هَذِهِ الْعَيْنَ الَّتِي فِي يَدِهِ، أَوْ أَسْتَحِقُّ كَذَا وَكَذَا فِي ذِمَّتِهِ. وَيَقُولَ فِي الْبَيْعِ: إنِّي اشْتَرَيْت مِنْهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ بِعْتهَا مِنْهُ بِذَلِكَ. وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: وَهِيَ مِلْكُهُ، أَوْ وَهِيَ مِلْكِي - وَنَحْنُ جَائِزُ الْأَمْرِ - وَتَفَرَّقْنَا عَنْ تَرَاضٍ.

وَذَكَرِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْعُقُودِ وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهَا، قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ. وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَوَجْهًا ثَالِثًا، أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً، اُشْتُرِطَ ذِكْرُ شُرُوطِ الْبَيْعِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ غَيْرَهَا، لَمْ يُشْتَرَطْ ; لِعَدَمِ ذَلِكَ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّهَا دَعْوَى فِيمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ، أَشْبَهَ دَعْوَى الْعَيْنِ. وَمَا لَزِمَ ذِكْرُهُ فِي الدَّعْوَى، فَلَمْ يَذْكُرْهُ، سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، لِتَصِيرَ الدَّعْوَى مَعْلُومَةً، فَيُمْكِنُ الْحَاكِمَ الْحُكْمُ بِهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا سَائِرَ الدَّعَاوَى فِيمَا سَبَقَ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا.

(8500) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى دَابَّةً فِي يَدِ رَجُلٍ، فَأَنْكَرَ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا بِسَمَاعِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا لَهُ، أَوْ قَالَتْ: وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ عَلَيْهِ)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَأَنْكَرَهُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَإِنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي تُسَمَّى بَيِّنَةَ الْخَارِجِ، وَبَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُسَمَّى بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَا إذَا تَعَارَضَتَا، فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَالٍ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ.

وَعَنْهُ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ، وَقَالَتْ: نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ، أَوْ اشْتَرَاهَا، أَوْ نَسَجَهَا. أَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ أَقْدَمَ تَارِيخًا، قُدِّمَتْ، وَإِلَّا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ، فِي النِّتَاجِ وَالنَّسَّاجِ، فِيمَا لَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ، فَأَمَّا مَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ، كَالصُّوفِ وَالْخَزِّ، فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ; لِأَنَّهَا إذَا شَهِدَتْ بِالسَّبَبِ، فَقَدْ أَفَادَتْ مَا لَا تُفِيدُهُ الْيَدُ، وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ فِي دَابَّةٍ أَوْ بَعِيرٍ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهَا لَهُ، أَنْتَجَهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ.} وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، رِوَايَةً ثَالِثَةً، أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُقَدَّمُ بِكُلِّ حَالٍ. وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَقَالَ: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ.

وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَأَنْكَرَ الْقَاضِي كَوْنَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ: لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ إذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت