وَحُكِمَ بِهِ. وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ ; شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ، فَقَالَ: قَدْ اخْتَلَفْتُمَا، قُومَا، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفَيْنِ، لَمْ تَصِحَّ الشَّهَادَةُ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْأَلْفِ غَيْرُ الْإِقْرَارِ بِالْأَلْفَيْنِ، وَلَمْ يَشْهَدْ بِكُلِّ إقْرَارٍ إلَّا وَاحِدٌ.
وَلَنَا، أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ كَمَلَتْ فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، فَحُكِمَ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَزِدْ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ كُلَّ إقْرَارٍ إنَّمَا يَشْهَدُ بِهِ وَاحِدٌ، يُبْطَلُ بِمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ غَدْوَةً، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ عَشِيًّا، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَكْمُلُ، مَعَ أَنَّ كُلَّ إقْرَارٍ إنَّمَا يَشْهَدُ بِهِ وَاحِدٌ. فَأَمَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، فَإِنَّ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ، وَيَسْتَحِقَّ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَرَى الْحُكْمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ. وَهَذَا فِيمَا إذَا أَطْلَقَا الشَّهَادَةَ، أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ.
فَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَتْ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ مِنْ قَرْضٍ، وَشَاهِدٌ بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، وَيَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ بِيضٍ وَآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ سُودٍ، أَوْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَالْآخَرُ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَسْتَحِقّهَا مَعَ أَحَدِهِمَا وَيَسْتَحِقُّ مَا شَهِدَ بِهِ.
(8481) فَصْلٌ: فَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ وَشَاهِدَانِ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ، دَخَلَتْ الْخَمْسُمِائَةِ فِي الْأَلْفِ، وَوَجَبَ لَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِائَةٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ، وَجَبَ لَهُ الْأَلْفُ وَالْخَمْسُمِائَةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ ; لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ.
(8482) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ، أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ، آخَرُ، أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ ; لَاخْتِلَافِهِمَا فِي صِفَةِ الْبَيْعِ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَيَثْبُتَ لَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ. وَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِكُلِّ عَقْدٍ شَاهِدَانِ، ثَبَتَ الْبَيْعَانِ، وَإِنْ أَضَافَا الْبَيْعَ إلَى وَقْتٍ وَاحِدٍ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ مَعَ الزَّوَالِ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهُ مَعَ الزَّوَالِ بِخَمْسِمِائَةٍ، تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ، وَسَقَطَتَا ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا، وَكُلُّ بَيِّنَةٍ تُكَذِّبُ الْأُخْرَى. وَإِنْ شَهِدَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَلَا يَتَعَارَضَانِ ; لِأَنَّ التَّعَارُضَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ الْكَامِلَتَيْنِ.
(8483) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا قِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةٌ، ثَبَتَ لَهُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَهُوَ دِرْهَمَانِ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الْآخَرِ عَلَى دِرْهَمٍ ; لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى دِرْهَمَيْنِ، وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِدِرْهَمٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ. وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ دِرْهَمَانِ، وَشَاهِدَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةٌ، ثَبَتَ لَهُ دِرْهَمَانِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ ثَلَاثَةٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ شَهِدَ بِهَا شَاهِدَانِ، وَهُمَا حُجَّةٌ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِهِمَا، كَمَا يُؤْخَذُ بِالزِّيَادَةِ فِي الْأَخْبَارِ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ وَشَاهِدَانِ بِأَلْفَيْنِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ أَلْفَانِ. قَالَ الْقَاضِي: وَيَتَوَجَّهُ لَنَا مِثْلُ هَذَا، بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَلَنَا، أَنَّ مَنْ شَهِدَ أَنَّ قِيمَتَهُ دِرْهَمَانِ، يَنْفِي أَنْ تَكُونَ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةً، فَقَدْ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الدِّرْهَمِ، وَيُخَالِفُ