فهرس الكتاب

الصفحة 3668 من 3896

اُسْتُغْنِيَ عَنْ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ، وَكَانَ أَحْوَطَ لِلشَّهَادَةِ، فَإِنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُمَا مَعْلُومٌ، وَصِدْقَ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ مَظْنُونٌ، وَالْعَمَلُ بِالْيَقِينِ مَعَ إمْكَانِهِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ تُثْبِتُ نَفْسَ الْحَقِّ، وَهَذِهِ إنَّمَا تَثْبُتُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ ضَعْفًا ; لِأَنَّهُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا احْتِمَالَانِ ; احْتِمَالُ غَلَطِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ، وَاحْتِمَالُ غَلَطِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَهْنًا فِيهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ تَنْتَهِضْ لِإِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَثْبُتَ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى أَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ ; لِأَنَّهُ خُفِّفَ فِيهَا، وَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَدُ، وَلَا الذُّكُورِيَّةُ، وَلَا الْحُرِّيَّةُ، وَلَا اللَّفْظُ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا فِي حَقِّ عُمُومِ النَّاسِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

وَلَنَا، عَلَى قَبُولِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِهَا بِغَيْرِ الْمَوْتِ، أَنَّهُ تَعَذَّرَتْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ، كَمَا لَوْ مَاتَ شَاهِدَا الْأَصْلِ، وَيُخَالِفُ الْحَاضِرَيْنِ ; فَإِنَّ سَمَاعَ شَهَادَتِهِمَا مُمْكِنٌ، فَلَمْ يَجُزْ غَيْرُ ذَلِكَ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْغَيْبَةَ الْمُشْتَرَطَةَ لِسَمَاعِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ، أَنْ يَكُونَ شَاهِدُ الْأَصْلِ بِمَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْهَدَ ثُمَّ يَرْجِعَ مِنْ يَوْمِهِ. وَهَذَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو حَامِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الشَّاهِدَ تَشُقُّ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِمِثْلِ هَذَا السَّفَرِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . وَإِذَا لَمْ يُكَلَّفْ الْحُضُورَ، تَعَذَّرَ سَمَاعُ شَهَادَتِهِ، فَاحْتِيجَ إلَى سَمَاعِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ.

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تُعْتَبَرُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ، مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ ; لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، فِي التَّرَخُّصِ وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ. وَيُعْتَبَرُ دَوَامُ هَذَا الشَّرْطِ إلَى الْحُكْمِ، فَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَا الْفَرْعِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا حَتَّى حَضَرَ شَاهِدَا الْأَصْلِ، وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمَا ; لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ الْعَمَلِ بِالْبَدَلِ، فَلَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِهِ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ حُضُورَهُمَا لَوْ وُجِدَ قَبْلَ أَدَاءِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ، مَنَعَ، فَإِذَا طَرَأَ قَبْلَ الْحُكْمِ، مَنَعَ مِنْهُ، كَالْفِسْقِ. الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ تَتَحَقَّقَ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ، مِنْ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ يَنْبَنِي عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ جَمِيعًا، فَاعْتُبِرَتْ الشُّرُوطُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ. فَإِنْ عَدَّلَ شُهُودُ الْفَرْعِ شُهُودَ الْأَصْلِ، فَشَهِدَا بِعَدَالَتِهِمَا وَعَلَى شَهَادَتِهِمَا، جَازَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. وَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا بِعَدَالَتِهِمَا، جَازَ، وَيَتَوَلَّى الْحَاكِمُ ذَلِكَ، فَإِنْ عَلِمَ عَدَالَتَهُمَا، حَكَمَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا بَحَثَ عَنْهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ: إنْ لَمْ يُعَدِّلْ شَاهِدَا الْفَرْعِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ، لَمْ يَسْمَعْ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُمَا ; لِأَنَّ تَرْكَ تَعْدِيلِهِ يَرْتَابُ بِهِ الْحَاكِمُ.

وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْرِفَا ذَلِكَ، فَيُرْجَعَ فِيهِ إلَى بَحْثِ الْحَاكِمِ، وَيَجُوزُ أَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت