رَسُولَ اللَّهِ، كُنْت أَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقْرَأُ أَحْسَنَ مِنْ قِرَاءَتِهِ. فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَمَعَ قِرَاءَته، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا.
وَقَالَ صَالِحٌ: قُلْت لِأَبِي:"زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ". مَا مَعْنَاهُ ؟ قَالَ: أَنْ يُحْسِنَهُ. وَقِيلَ لَهُ: مَا مَعْنَى:"مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ". قَالَ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِ. وَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ اللَّيْثُ: يَتَحَزَّنُ بِهِ، وَيَتَخَشَّعُ بِهِ، وَيَتَبَاكَى بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَوَكِيعٌ: يَسْتَغْنِي بِهِ.
فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالتَّلْحِينِ، فَيُنْظَرُ فِيهِ ; فَإِنْ لَمْ يُفْرِطْ فِي التَّمْطِيطِ وَالْمَدِّ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَرَأَ، وَرَجَّعَ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ. قَالَ الرَّاوِي: لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيَّ، لَحَكَيْت لَكُمْ قِرَاءَتَهُ. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ} . وَقَالَ: {مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءِ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ} . وَمَعْنَى أَذِنَ: اسْتَمَعَ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
فِي سَمَاعٍ يَأْذَنُ الشَّيْخُ لَهُ
وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَكْرُوهٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ} . أَيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَكُنْت امْرَأً زَمِنًا بِالْعِرَاقِ عَفِيفَ الْمُنَاخِ كَثِيرَ التَّغَنِّي
قَالَ: وَلَوْ كَانَ مِنْ الْغِنَاءِ بِالصَّوْتِ، لَكَانَ مَنْ لَمْ يُغَنِّ بِالْقُرْآنِ لَيْسَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا التَّفْسِيرِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ: هَذَا قَوْلُ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ. وَقِيلَ: يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِهِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ التَّلْحِينِ لَا بَأْسَ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا، لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى التَّغَنِّيَ فِي حَدِيثِ: {مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ} . عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ ; لِأَنَّ مَعْنَى أَذِنَ: اسْتَمَعَ، وَإِنَّمَا تُسْتَمَعُ الْقِرَاءَةُ، ثُمَّ قَالَ: يَجْهَرُ بِهِ. وَالْجَهْرُ صِفَةُ الْقِرَاءَةِ، لَا صِفَةُ الِاسْتِغْنَاءِ.
فَأَمَّا إنْ أَفْرَطَ فِي الْمَدِّ وَالتَّمْطِيطِ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ، بِحَيْثُ يَجْعَلُ الضَّمَّةَ وَاوًا، وَالْفَتْحَةَ أَلِفًا، وَالْكَسْرَةَ يَاءً، كُرِهَ ذَلِكَ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يُحَرِّمُهُ ; لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ الْقُرْآنَ، وَيُخْرِجُ الْكَلِمَاتِ عَنْ وَضْعِهَا، وَيَجْعَلُ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا. وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُك ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالَ: أَيَسُرُّك أَنْ يُقَالَ لَك: يَا مُوحَامَدُ ؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ الْأَلْحَانَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَرَمُهُ مِثْلَ حَرَمِ أَبِي مُوسَى. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: فَيُكَلَّمُونَ ؟ فَقَالَ: لَا. كُلُّ ذَا. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ تُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّحْزِينِ وَالتَّرْتِيلِ وَالتَّحْسِينِ.
وَرَوَى بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِالْحُزْنِ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِالْحُزْنِ} . وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لِرَجُلٍ: لَوْ قَرَأْت. وَجَعَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رُبَّمَا تَغَرْغَرَتْ عَيْنُهُ. وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ: كُنَّا عِنْدَ يَحْيَى الْقَطَّانِ، فَجَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ التِّرْمِذِيُّ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: اقْرَأْ. فَقَرَأَ، فَغُشِيَ عَلَى يَحْيَى حَتَّى حُمِلَ فَأُدْخِلَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعَدَوِيُّ: قَرَأْت عِنْدَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ