عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: {مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ، فَيَجِيءُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ، أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا ؟ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ، فَيَأْخُذُ شَيْئًا، إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ. فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْت عُفْرَةَ إبْطَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت ثَلَاثًا ؟} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ حُدُوثَ الْهَدِيَّةِ عَنَدَ حُدُوثِ الْوِلَايَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَجْلِهَا، لِيَتَوَسَّلَ بِهَا إلَى مَيْلِ الْحَاكِمِ مَعَهُ عَلَى خَصْمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ قَبُولُهَا مِنْهُ كَالرِّشْوَةِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ، جَازَ قَبُولُهَا مِنْهُ بَعْدَ الْوِلَايَةِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ أَجْلِ الْوِلَايَةِ ; لِوُجُودِ سَبَبِهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ، بِدَلِيلِ وُجُودِهَا قَبْلَهَا. قَالَ الْقَاضِي: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْهَا. وَإِنْ أَحَسَّ أَنَّهُ يُقَدِّمُهَا بَيْنَ يَدَيْ خُصُومِهِ، أَوْ فَعَلَهَا حَالَ الْحُكُومَةِ، حَرُمَ أَخْذُهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ ; لِأَنَّهَا كَالرِّشْوَةِ. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، أَنَّ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ. وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ دَلَالَةٌ عَلَى التَّحْرِيمِ.
(8268) فَصْلٌ: فَأَمَّا الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ، وَرِشْوَةُ الْعَامِلِ، فَحَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} قَالَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فِي تَفْسِيرِهِ: هُوَ الرِّشْوَةُ. وَقَالَ: إذَا قَبِلَ الْقَاضِي الرِّشْوَةَ، بَلَغَتْ بِهِ إلَى الْكُفْرِ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: {لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ.} قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَزَادَ:"فِي الْحُكْمِ". وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فِي"زَادِ الْمُسَافِرِ"، وَزَادَ:"وَالرَّائِشَ"وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَهُمَا.
وَلِأَنَّ الْمُرْتَشِيَ إنَّمَا يَرْتَشِي لِيَحْكُمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، أَوْ لِيُوقِفَ الْحُكْمَ عَنْهُ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ. قَالَ مَسْرُوقٌ: سَأَلْت ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ السُّحْتِ، أَهْوَ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ ؟ قَالَ: لَا، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} وَ {الظَّالِمُونَ} وَ {الْفَاسِقُونَ} وَلَكِنَّ السُّحْتَ أَنْ يَسْتَعِينَك الرَّجُلُ عَلَى مَظْلَمَةٌ، فَيُهْدِيَ لَك، فَلَا تَقْبَلْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ كَعْبٌ: الرِّشْوَةُ تُسَفِّهُ الْحَلِيمَ، وَتُعْمِي عَيْنَ الْحَكِيمِ. فَأَمَّا الرَّاشِي فَإِنْ رَشَاهُ لِيَحْكُمَ لَهُ بِبَاطِلٍ، أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ حَقًّا، فَهُوَ مَلْعُونٌ، وَإِنْ رَشَاهُ لِيَدْفَعَ ظُلْمَهُ، وَيَجْزِيَهُ عَلَى وَاجِبِهِ، فَقَدْ قَالَ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: مَا رَأَيْنَا فِي زَمَنِ زِيَادٍ أَنْفَعَ لَنَا مِنْ الرِّشَا.
وَلِأَنَّهُ يَسْتَنْقِذُ مَالَهُ كَمَا يَسْتَنْقِذُ الرَّجُلُ أَسِيرَهُ. فَإِنْ ارْتَشَى الْحَاكِمُ، أَوْ قَبِلَ هَدِيَّةً لَيْسَ لَهُ قَبُولُهَا، فَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَى أَرْبَابِهَا ; لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَأَشْبَهَ الْمَأْخُوذَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ بِرَدِّهَا عَلَى أَرْبَابِهَا. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَهْدَى الْبِطْرِيقُ لِصَاحِبِ الْجَيْشِ عَيْنًا أَوْ فِضَّةً، لَمْ تَكُنْ لَهُ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَكُونُونَ فِيهِ سَوَاءً.
(8269) فَصْلٌ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ ; لِمَا رَوَى أَبُو الْأَسْوَدِ الْمَالِكِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {: مَا عَدَلَ وَالٍ اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ أَبَدًا} وَلِأَنَّهُ يُعْرَفُ فَيُحَابَى، فَيَكُونُ كَالْهَدِيَّةِ، وَلِأَنَّ