بِخَاتَمِهِ، فَإِذَا بَعَثَ مَعَهُ خَتْمًا، فَعَادَ فَذَكَرَ أَنَّهُ امْتَنَعَ، أَوْ كَسَرَ الْخَتْمَ، بَعَثَ إلَيْهِ عُيُونًا، فَإِنْ امْتَنَعَ، أَنْفَذَ صَاحِبَ الْمَعُونَةِ فَأَحْضَرَهُ، فَإِذَا حَضَرَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِالِامْتِنَاعِ، عَزَّرَهُ إنْ رَأَى ذَلِكَ، بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ، تَأْدِيبًا لَهُ إمَّا بِالْكَلَامِ وَكَشْفِ رَأْسِهِ، أَوْ بِالضَّرْبِ أَوْ بِالْحَبْسِ، فَإِنْ اخْتَبَأَ بَعَثَ الْحَاكِمُ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ ثَلَاثًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ سَمَّرَ بَابَهُ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ، وَيَجْمَعُ أَمَاثِلَ جِيرَانِهِ وَيُشْهِدُهُمْ عَلَى إعْذَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَسَأَلَ الْمُدَّعِي أَنْ يُسَمَّرَ عَلَيْهِ مَنْزِلُهُ، وَيَخْتِمَ عَلَيْهِ.
وَتَقَرَّرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّ الْمَنْزِلَ مَنْزِلُهُ، سَمَّرَهُ أَوْ خَتَمَهُ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ، بَعَثَ الْحَاكِمُ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ، أَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَ فُلَانٍ، أَقَامَ عَنْهُ وَكِيلًا، وَحَكَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ، أَقَامَ عَنْهُ وَكِيلًا، وَسَمِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ كَمَا يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ، وَقَضَى حَقَّهُ مِنْ مَالِهِ إنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ. حَكَاهُ عَنْهُمْ أَحْمَدُ. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا، وَلَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، فَكَانَ أَحْمَدُ يُنْكِرُ التَّهَجُّمَ عَلَيْهِ، وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ حَتَّى يُظْهِرَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ عَلِمَ لَهُ مَكَانًا، أَمَرَ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِ، فَيَبْعَثُ خُصْيَانًا أَوْ غِلْمَانًا لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ، وَثِقَاتٍ مِنْ النِّسَاءِ مَعَهُمْ ذَوُو عَدْلٍ مِنْ الرِّجَالِ، فَيُدْخِلُ النِّسَاءَ وَالصَّبِيَّانِ، فَإِذَا حَصَلُوا فِي صَحْنِ الدَّارِ دَخَلَ الرِّجَالُ، وَيُؤْمَرُ الْخُصْيَانُ بِالتَّفْتِيشِ، وَيَتَفَقَّدُ النِّسَاءُ النِّسَاءَ، فَإِنْ ظَفِرُوا بِهِ، أَخَذُوهُ فَأَحْضَرُوهُ.
وَإِنْ اسْتَعْدَى عَلَى غَائِبٍ نَظَرْت ; فَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ فِي غَيْرِ وِلَايَةِ الْقَاضِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَدِّي عَلَيْهِ، وَلَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ كَانَ فِي وِلَايَتِهِ، وَلَهُ فِي بَلَدِهِ خَلِيفَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، ثَبَتَ الْحَقُّ عِنْدَهُ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى خَلِيفَتِهِ، وَلَمْ يُحْضِرْهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حَاضِرَةٌ، نَفَّذَهُ إلَى خَصْمِهِ لِيُخَاصِمَهُ عِنْدَ خَلِيفَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ خَلِيفَةٌ، وَكَانَ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، أَذِنَ لَهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، قِيلَ لَهُ: حَرِّرْ دَعْوَاك ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يَدَّعِيهِ لَيْسَ بِحَقٍّ عَنَدَهُ، كَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، وَقِيمَةِ الْكَلْبِ، أَوْ خَمْرِ الذِّمِّيِّ، فَلَا يُكَلِّفُهُ الْحُضُورَ لِمَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ، مَعَ الْمَشَقَّةِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْحَاضِرِ، فَإِنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي حُضُورِهِ، فَإِذَا تَحَرَّرَتْ، بَعَثَ فَأَحْضَرَ خَصْمَهُ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ قَرُبَتْ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْضُرَ وَيَعُودَ فَيَأْوِيَ إلَى مَوْضِعِهِ، أَحْضَرَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُحْضِرْهُ، وَيُوجَدُ مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا. وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، أَحْضَرَهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَنَا، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَصْلِ الْخُصُومَةِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِمَشَقَّةٍ، فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ، فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَيُعَزَّرُ، وَلِأَنَّ إلْحَاقَ الْمَشَقَّةِ بِهِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهَا بِمَنْ يَنْفُذُهُ الْحَاكِمُ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً بَرْزَةً، لَمْ يُشْتَرَطْ فِي سَفَرِهَا هَذَا مَحْرَمٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّهُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ.
(8245) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَعْدَى عَلَى الْحَاكِمِ الْمَعْزُولِ، لَمْ يُعْدِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا يَدَّعِيهِ، فَيَسْأَلَهُ عَنْهُ، صِيَانَةً لِلْقَاضِي عَنْ الِامْتِهَانِ. فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ، أَعْدَاهُ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا كَغَيْرِ الْقَاضِي. وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ رِشْوَةً عَلَى الْحُكْمِ ; لِأَنَّ أَخْذَ الرِّشْوَةِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ، فَهِيَ كَالْغَصْبِ.
وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْجَوْزَ فِي الْحُكْمِ، وَكَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، أَحْضَرَهُ، وَحَكَمَ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَيِّنَةٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ;