فهرس الكتاب

الصفحة 3564 من 3896

إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمِنْ شَرْطِ الِاجْتِهَادِ مَعْرِفَةُ سِتَّةِ أَشْيَاءَ ; الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالِاخْتِلَافِ، وَالْقِيَاسِ، وَلِسَانِ الْعَرَبِ. أَمَّا الْكِتَابُ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ ; الْخَاصَّ، وَالْعَامَّ، وَالْمُطْلَقَ، وَالْمُقَيَّدَ، وَالْمُحْكَمَ، وَالْمُتَشَابِهَ، وَالْمُجْمَلَ، وَالْمُفَسَّرَ، وَالنَّاسِخَ، وَالْمَنْسُوخَ فِي الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ نَحْوُ خَمْسِمِائَةٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَعْرِفَةُ سَائِرِ الْقُرْآنِ.

فَأَمَّا السُّنَّةُ، فَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْأَحْكَامِ دُونَ سَائِرِ الْأَخْبَارِ، مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالرَّقَائِقِ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهَا مَا يَعْرِفُ مِنْ الْكِتَابِ، وَيَزِيدُ مَعْرِفَةَ التَّوَاتُرِ، وَالْآحَادِ، وَالْمُرْسَلِ، وَالْمُتَّصِلِ، وَالْمُسْنَدِ، وَالْمُنْقَطِعِ، وَالصَّحِيحِ، وَالضَّعِيفِ، وَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ، وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَمَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ، وَشُرُوطِهِ، وَأَنْوَاعِهِ، وَكَيْفِيَّةِ اسْتِنْبَاطِهِ الْأَحْكَامَ، وَمَعْرِفَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا ذُكِرَ ; لِيَتَعَرَّفَ بِهِ اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ مِنْ أَصْنَافِ عُلُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ لِلْفُتْيَا، وَالْحُكْمُ فِي مَعْنَاهُ.

فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ شُرُوطٌ لَا تَجْتَمِعُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا ؟. قُلْنَا: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِهَذِهِ الْعُلُومِ إحَاطَةً تَجْمَعُ أَقْصَاهَا، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَعْرِفَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ، وَلَا أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا، فَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ، خَلِيفَتَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَزِيرَاهُ، وَخَيْرُ النَّاسِ بَعْدَهُ، فِي حَالِ إمَامَتِهِمَا يُسْأَلَانِ عَنْ الْحُكْمِ فَلَا يَعْرِفَانِ مَا فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ، حَتَّى يَسْأَلَا النَّاسَ فَيُخْبَرَا {، فَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَلَا أَعْلَمُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا، وَلَكِنْ ارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ. ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ مَنْ يَعْلَمُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَدَّةِ ؟ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَاهَا السُّدُسَ. وَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ، فَأَخْبَرَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ} .

وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْمَسَائِلِ الَّتِي فَرَّعَهَا الْمُجْتَهِدُونَ فِي كُتُبِهِمْ، فَإِنَّ هَذِهِ فُرُوعٌ فَرَّعَهَا الْفُقَهَاءُ بَعْدَ حِيَازَةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ، فَلَا تَكُونُ شَرْطًا لَهُ وَهُوَ سَابِقٌ عَلَيْهَا.

وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِاجْتِهَادِ فِي مَسْأَلَةٍ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي كُلِّ الْمَسَائِلِ، بَلْ مَنْ عَرَفَ أَدِلَّةَ مَسْأَلَةٍ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، فَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهَا، وَإِنْ جَهِلَ غَيْرَهَا، كَمَنْ يَعْرِفُ الْفَرَائِضَ وَأُصُولَهَا، لَيْسَ مِنْ شَرْطِ اجْتِهَادِهِ فِيهَا مَعْرِفَتُهُ بِالْبَيْعِ، وَلِذَلِكَ مَا مِنْ إمَامٍ إلَّا وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي مَسَائِلَ. وَقِيلَ: مَنْ يُجِيبُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فَهُوَ مَجْنُونٌ، وَإِذَا تَرَكَ الْعَالِمُ: لَا أَدْرِي. أُصِيبَتْ مُقَاتِلُهُ.

وَحُكِيَ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي. وَلَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا. وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ أُصُولُ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَهُوَ مَجْمُوعٌ مُدَوَّنٌ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، فَمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ، وَرُزِقَ فَهْمَهُ، كَانَ مُجْتَهِدًا، لَهُ الْفُتْيَا وَوِلَايَةُ الْحُكْمِ إذَا وُلِّيَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(8222) فَصْلٌ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحَاكِمِ كَوْنُهُ كَاتِبًا. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ ; لِيَعْلَمَ مَا يَكْتُبُهُ كَاتِبُهُ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إخْفَائِهِ عَنْهُ. وَلَنَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أُمِّيًّا، وَهُوَ سَيِّدُ الْحُكَّامِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحَاكِمِ الْكِتَابَةُ، فَلَا تُعْتَبَرُ شُرُوطُهَا، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ جَازَ تَوْلِيَتُهُ لِمَنْ يَعْرِفُهُ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْقِسْمَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ مَعْرِفَةُ الْمِسَاحَةِ، وَيَحْتَاجُ إلَى التَّقْوِيمِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقَضَاءِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِقِيمَةِ الْأَشْيَاءِ، وَلَا مَعْرِفَتُهُ بِعُيُوبِ كُلِّ شَيْءٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت