شَاءَ تَرَكَهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ; فَإِنَّ أَصْحَابَنَا، قَالُوا فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ أَوْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ: كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَعْتَكِفَ فِي غَيْرِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، أَجْزَأَتْهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ بِلَا كَفَّارَةٍ. وَهَذَا مِثْلُهُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ.}
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ {: بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، إذْ هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُرُوهُ فَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَجْلِسْ، وَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: {نَذَرَتْ امْرَأَةٌ أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَسُئِلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِهَا، مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ} . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَلَمْ يَأْمُرْ بِكَفَّارَةٍ. وَرُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا. فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، مُرُوهُ فَلْيَرْكَبْ.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ، وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ غَيْرُ مُوجِبٍ لِفِعْلِ مَا نَذَرَهُ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً، كَنَذْرِ الْمُسْتَحِيلِ. وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ.
فَأَمَّا حَدِيثُ الَّتِي نَذَرَتْ الْمَشْيَ، فَقَدْ أَمَرَ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، أَنَّ {أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا.} صَحِيحٌ، أَخْرُجَهُ أَبُو دَاوُد. وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ رَوَى الْبَعْضَ وَتَرَكَ الْبَعْضَ أَوْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ ذِكْرَ الْكَفَّارَةِ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ، إحَالَةً عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ حَدِيثِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ إذَا نَذَرَ فِعْلَ مَكْرُوهٍ، كَطَلَاقِ امْرَأَتِهِ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ} . فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَفِيَ، وَيُكَفِّرَ، فَإِنْ وَفَى بِنَذْرِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.
الْقِسْمُ السَّادِسُ، نَذْرُ الْوَاجِبِ، كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ، وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مَا هُوَ لَازِمٌ. لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْعَقِدَ نَذْرُهُ مُوجِبًا كَفَّارَةَ يَمِينِ إنْ تَرَكَهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ ; فَإِنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينًا. وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً أَوْ مُبَاحًا، لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيُكَفِّرُ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ.
الْقِسْمُ السَّابِعُ، نَذْرُ الْمُسْتَحِيلِ، كَصَوْمِ أُمْسِ، فَهَذَا لَا يَنْعَقِدُ، وَلَا يُوجِبُ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُهُ، وَلَا الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ، فَالنَّذْرُ أَوْلَى، وَعَقْدُ الْبَابِ فِي صَحِيحِ الْمَذْهَبِ، أَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَمُوجَبُهُ مُوجَبُهَا، إلَّا فِي لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ، إذَا كَانَ قُرْبَةً وَأَمْكَنَهُ فِعْلُهُ ; وَدَلِيلُ هَذَا الْأَصْلِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُخْتِ عُقْبَةَ، {لَمَّا نَذَرْت الْمَشْيَ فَلَمْ تُطِقْهُ وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا} . وَفِي رِوَايَةٍ:"فَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ". قَالَ أَحْمَدُ: إلَيْهِ أَذْهَبُ.
وَعَنْ عُقْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ} . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِلَّتِي نَذَرَتْ ذَبْحَ وَلَدِهَا: كَفِّرِي يَمِينَك. وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ فِي أَحَدِ أَقْسَامِهِ، وَهُوَ نَذْرُ اللَّجَاجِ، فَكَذَلِكَ سَائِرُهُ، فِي سِوَى مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ.
(8174) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ فِعْلَ طَاعَةٍ، وَمَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ، لَزِمَهُ فِعْلُ الطَّاعَةِ، كَمَا فِي خَبَرِ أَبِي إسْرَائِيلَ فَإِنَّ النَّبِيَّ