لِي ثَلَاثُ نِسْوَةٍ فَطَلَّقْتهنَّ قَالُوا: بَلَى. قَالَ قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا. فَقَالُوا: مَا هَذَا أَرَدْنَا. فَذَكَرَ ذَلِكَ شَقِيقٌ لِعُثْمَانَ فَجَعَلَهَا نِيَّتَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَجُلٌ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ التَّعْرِيفَ بِهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّ لَهُ بَيْتًا وَشَرَفًا. فَقِيلَ لِلشَّعْبِيِّ بَعْدَ مَا ذَهَبَ الرَّجُلُ: تَعْرِفُهُ ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ نَظَرَ إلَيَّ. قِيلَ: فَكَيْفَ أَثْنَيْت عَلَيْهِ ؟ قَالَ: شَرَفُهُ أُذُنَاهُ، وَبَيْتُهُ الَّذِي يَسْكُنُهُ. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أُخِذَ عَلَى شَرَابٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ:
أَنَا ابْنُ الَّذِي لَا يُنْزِلُ الدَّهْرُ قِدْرَهُ وَإِنْ نَزَلَتْ يَوْمًا فَسَوْفَ تَعُودُ تَرَى النَّاسَ أَفْوَاجًا عَلَى بَابِ دَارِهِ
فَمِنْهُمْ قِيَامٌ حَوْلَهَا وَقُعُودُ
فَظَنُّوهُ شَرِيفًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَسَأَلُوا عَنْهُ، فَإِذَا هُوَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ.
وَأَخَذَ الْخَوَارِجُ رَافِضِيًّا، فَقَالُوا لَهُ: تَبْرَأُ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ. فَقَالَ: أَنَا مِنْ عَلِيٍّ، وَمِنْ عُثْمَانَ بَرِيءٌ. فَهَذَا وَشِبْهُهُ هُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي لَا يُعْذَرُ بِهِ الظَّالِمُ، وَيَسُوغُ لِغَيْرِهِ مَظْلُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَظْلُومٍ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمُزَاحِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بِهِ إلَيْهِ.
(8014) فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحِيلُ نَوْعَانِ ; أَحَدُهُمَا، مُسْتَحِيلٌ عَادَةً، كَصُعُودِ السَّمَاءِ، وَالطَّيَرَانِ، وَقَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَيْهِ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْحَالِ ; لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ الْبِرِّ فِيهَا، فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ امْرَأَتَهُ فَمَاتَتْ. وَالثَّانِي، الْمُسْتَحِيلُ عَقْلًا، كَرَدِّ أَمْسِ وَشُرْبِ الْمَاءِ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ. فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، وَلَا تَجِبُ بِهَا كَفَّارَةٌ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ; لِأَنَّهَا يَمِينٌ قَارَنَهَا مَا يَحُلُّهَا، فَلَمْ تَنْعَقِدْ، كَيَمِينِ الْغَمُوسِ، أَوْ يَمِينٌ عَلَى غَيْرِ مُتَصَوِّرٍ، فَأَشْبَهَتْ يَمِينَ الْغَمُوسِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ عَلَى مُتَصَوَّرٍ، أَوْ مُتَوَهَّمِ التَّصَوُّرِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَنْعَقِدُ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ فِي الْحَالِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَمْ يَفْعَلْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ امْرَأَتَهُ، فَمَاتَتْ قَبْلَ طَلَاقِهَا، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ عَادَةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ اسْتِحَالَتَهُ أَوْ لَا يَعْلَمَ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ فِيمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَاءَ فِيهِ، وَمَنْ لَا يَعْلَمُ. وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا، وَهُوَ مَيِّتٌ، فَهُوَ كَالْمُسْتَحِيلِ عَادَةً ; لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُحْيِيَهُ اللَّهُ فَيَقْتُلَهُ، وَتَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا. وَإِنْ حَلَفَ لَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ. يَعْنِي فِي حَالِ مَوْتِهِ، فَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا، فَيَكُونُ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ.
(8015) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ فُلَانٌ كَذَا، أَوْ لَا يَفْعَلُ. أَوْ حَلَفَ عَلَى حَاضِرٍ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا. فَأَحْنَثَهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ، فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ. كَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيُّ ; لِأَنَّ الْحَالِفَ هُوَ الْحَانِثُ، فَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ لِمَا يُحْنِثُهُ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ إمَّا الْيَمِينُ، وَإِمَّا الْحِنْثُ، أَوْ هُمَا، وَأَيُّ ذَلِكَ قُدِّرَ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِفِ. وَإِنْ قَالَ: أَسْأَلُك بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ. وَأَرَادَ الْيَمِينَ، فَهِيَ كَاَلَّتِي