فهرس الكتاب

الصفحة 3467 من 3896

مَسْأَلَةٌ ; قَالَ: وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ فُلَانًا، أَوْ لَا يَضْرِبَهُ، فَوَكَّلَ فِي الشِّرَاءِ وَالضَّرْبِ، حَنِثَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ، حَنِثَ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ. وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْنَثُ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِيَمِينِهِ أَنْ لَا يَسْتَنِيبَ فِي فِعْلِهِ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِمُبَاشَرَتِهِ ; لِأَنَّ إطْلَاقَ إضَافَةِ الْفِعْلِ يَقْتَضِي مُبَاشَرَتَهُ ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَكُلَّهُ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ لِلْوَكِيلِ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ.

وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَلَا يَضْرِبُ، فَأَمَرَ مَنْ فِعْلِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّاهُ، كَالسُّلْطَانِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ. وَإِنْ حَلَفَ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، فَأَمَرَ مَنْ حَلَقَهُ، فَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ وَقِيلَ: يَحْنَثُ، قَوْلًا وَاحِدًا. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَوَكَّلَ مَنْ بَاعَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ، وَلَا يَتَزَوَّجُ، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ، حَنِثَ.

وَلَنَا أَنَّ الْفِعْلَ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ وَكَّلَ فِيهِ، وَأَمَرَ بِهِ، فَيَحْنَثُ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، فَأَمَرَ مَنْ حَلَقَهُ، أَوْ لَا يَضْرِبُ، فَوَكَّلَ مَنْ ضَرَبَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وَقَالَ: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} . وَكَانَ هَذَا مُتَنَاوِلًا لِلِاسْتِنَابَةِ فِيهِ. وَلِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وُجِدَ مِنْ نَائِبِهِ، فَحَنِثَ بِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَأَمَرَ مَنْ حَمَلَهُ إلَيْهَا.

وَقَوْلُهُمْ: إنَّ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَيْهِ تَقْتَضِي الْمُبَاشَرَةَ بِمَنْعِهِ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا وَكَّلَ فِي فِعْلٍ يَمْتَنِعُ عَلَى الْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ فِيهِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا، فَلِأَنَّ التَّوْكِيلَ يُقْصَدُ بِهِ الْأَمَانَةُ وَالْحِذْقُ، وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِيهِمَا، فَإِذَا عَيَّنَ وَاحِدًا، لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَةُ تَعْيِينِهِ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ.

فَأَمَّا إنْ نَوَى بِيَمِينِهِ الْمُبَاشَرَةَ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِيهَا، أَوْ قَرِينَةُ حَالِهِ، تَخَصَّصَ بِهَا ; لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يُقَيَّدُ بِنِيَّتِهِ، أَوْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ بِلَفْظِهِ. وَإِنْ حَلَفَ لَيَشْتَرِيَنَّ، أَوْ لَيَبِيعَنَّ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، بَرَّ ; لِمَا ذَكَرْنَا فِي طَرَفِ النَّفْيِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ} . تَنَاوَلَ مَنْ حُلِقَ رَأْسُهُ بِأَمْرِهِ.

(8010) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ زَوْجَتَهُ، أَوْ لَا يُطَلِّقُهَا، فَوَكَّلَ مَنْ طَلَّقَهَا، أَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ فَطَلَّقَهَا أَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي، أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِك. فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا، بَرَّ، وَحَنِثَ. وَالْخِلَافُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت، أَوْ إنْ قُمْت. فَشَاءَتْ، أَوْ قَامَتْ حَنِثَ. بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هِيَ حَقَّقَتْ شَرْطَهُ.

(8011) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ، فَلَطَمَهَا، أَوْ لَكَمَهَا، أَوْ ضَرَبَهَا بِعَصًا أَوْ غَيْرِهَا، حَنِثَ. بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَإِنْ عَضَّهَا، أَوْ خَنَقَهَا، أَوْ جَزَّ شَعْرَهَا جَزًّا يُؤْلِمُهَا، قَاصِدًا لِلْإِضْرَارِ بِهَا، حَنِثَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى ضَرْبًا، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ، كَمَا لَوْ شَتَمَهَا شَتْمًا آلَمَهَا. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا ; فَإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عَنْهُ، فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ لَمْ أَضْرِبْك الْيَوْمَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَعَضَّهَا، أَوْ قَرَصَهَا، أَوْ أَمْسَكَ شَعْرَهَا، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الْقَاضِي: فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الضَّرْبِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت